أدب ما قبل التاريخ

2016-10-09

أدب ما قبل التاريخ

ما إنْ بدأ تخيُّل الزمن كمدًى مفتوح للاستكشاف، أصبح التحرك عبرَه — سواءٌ إلى الأمام أم إلى الخلف — ممكنًا. تشتهر القصص التي تصف مخلوقات من عصورِ ما قبل التاريخ باسم «أدب ما قبل التاريخ»، وهو تعبير ابتُكر في ستينيات القرن التاسع عشر في فرنسا حيث وُلِد هذا الجنس الأدبي؛ على سبيل المثال، يبدأ الكاتِب إلِي بيرتيه روايته «عالمُ ما قبل التاريخ» الصادرة في ثلاثة أجزاء (نُشِرت عام ١٨٧٦، وتُرجِمت عام ١٨٧٩) بوصف لمدينة باريس أثناء العصر الحجري، أو بالأحرى للموقع الذي سيشهد إنشاءها في المستقبل. لا يعكس المشهد أي علامة على نشاط أو بناء بشري؛ ومن ثَمَّ يبيِّن بعض الخصائص العامة التي لعبت دورًا لاحقًا. وبما أن تلك الروايات تصف عالمًا لا يعرف القراءة والكتابة، فإن القارئ يَعِي بالضرورة في كل صفحة كونَها قصصًا تعتمد على حبكات تكهنية. وهي عادةً ما تتخذ نمطًا محددًا، فتعرض ممارسات عامة مثل التسلسل الهرمي للأنواع أو جمع الطعام. أتاح أدبُ ما قبل التاريخ ساحة لمناقشة نظرية التطور أو لإعطائها شكلًا ماديًّا، وهي النظرية التي اعتنقتْها مجموعة من الكُتَّاب مِن بينِهم أندرو لانج، وروديارد كيبلينج، وبالطبع إتش جي ويلز (صاحب «قصة من العصر الحجري»، الصادرة عام ١٨٩٧). يحدث تداخل بين قصص العالم المفقود وبين هذا الجنس الأدبي، بما أنها عادةً ما تصوِّر حكايات البحث والاكتشاف باعتبارها رحلات إلى زمن مبكر. لكن رواية كونان دويل «العالم المفقود» أو قصص روبرت دبليو تشامبرز تعتمد على فرضية وجود العالم البدائي فعليًّا في الحاضر، وكأن التطور مكوَّن من مجموعة من المسارات، كلٌّ منها يَسِير بسرعته الخاصة.

جاك لندن

من أوائل كُتَّاب أدبِ ما قبل التاريخ وأكثرهم شهرةً جاك لندن، الذي تُخاطِب روايته «قبل آدم» (١٩٠٧) نزعة الشك لدى القارئ منذ البداية. إن تجارب لندن مع الخيال العلمي في هذه الرواية وفي رواية «رحَّال النجوم» (١٩١٤) يدفعها سأمه من حدود العقل؛ ففي الرواية الثانية، يتمكَّن البطل من الارتحال إلى فترات مبكرة، أمَّا في «قبل آدم» فيقدم الراوي نفسَه باعتباره حالِمًا يملك القدرة على تجسيد أي معلومات يقرؤها، على نحو يشبه إلى حدٍّ ما بداية رواية مايكل بيشوب «الزمن عدونا الوحيد» (١٩٨٢)؛ حيث تلعب شرائح الصور التي يعرضها أبو الراوي دَوْر منصة انطلاق يعبر من خلالها إلى أرض أفريقية عتيقة. في رواية «قبل آدم» تُوصَف هذه القدرة بأنها «ذاكرة العِرق»، التي تمكِّن الراوي من العودة إلى الزمن البدائي من أجل التعرُّف على حياة أجداد عِرقه؛ حيث يكتشف أن أمَّه «تُشبِه قرد أورانجتان ضخمًا»، أما أبوه فهو «نصف رجل ونصف قرد». وهكذا تعرض الرواية تصورًا خياليًّا عن الوراثة.

يتجنب لندن التنافر الناتج أحيانًا عن الجمع بين طريقة سرد معاصرة وموضوع عتيق عن طريق إعطاء الراوي شخصية الحالِم الذي يصطحب القارئ في رحلاته، وهي وسيلة مناسبة بما أنه كان يرغب في التأكيد على فكرة التواصل بين الماضي العتيق والحاضر. كذلك يتجنب ويليام جولدنج هذا التنافر على نحو مُثير للإعجاب في روايته «الوارثون» (١٩٥٥)؛ حيث يبتكر أنماطًا بارعة من الحديث والإدراك تتلاءم مع قدرات أبطاله من البشر البدائيين (النياندرتال)؛ إذ تُعرَض الأجزاء الأولى من الرواية من وجهة نظرهم. ومنذ عام ١٩٨٠، أصبحت جين إم أُول إحدى أهم كُتَّاب أدب ما قبل التاريخ؛ إذ تقع أحداث سلسلة رواياتها «أطفال الأرض» في أوروبا في عصرِ ما قبل التاريخ. في حين تلخص رواية ستيفن باكستر «التطور»، الصادرة عام ٢٠٠٢، هذا الاتجاهَ الأدبي الدارويني عبر سلسلة من القصص تبدأ من عصر الرئيسيات حتى العصر الحاضر، وتتوافق كلٌّ منها مع التصورات المفترضة عن كل مرحلة من مراحل التطور

اضغط على الرابط لقرائة باقي المقال
⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩

إرسال رد أو تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها