أشباه البشر القدامى والانتقاليون

2017-05-15

أشباه البشر القدامى والانتقاليون

كائناتٍ من شبه المؤكد أنها من أشباه البشر؛ إذ تشترك مع الإنسان الحديث في كمٍّ من صفاتها التكوينية أكبر بكثيرٍ مما تشترك به مع الشمبانزي. ومع ذلك لا تظهر عليها التغيرات في حجم الفك والأسنان وفي حجم الجسم وشكله التي تميز أنواع أشباه البشر التي نصنفها تحت جنس «الهومو»؛ لذلك نطلق عليها اسم أشباه البشر «القدامى». وفي نهاية هذا الفصل أستعرض أيضًا مجموعةً من أشباه البشر يُشبهون جزئيًّا أشباه البشر القدامى وجزئيًّا البشر؛ لذا نطلق عليهم اسم أشباه البشر «الانتقاليين».

 أشباه البشر القدامى من شرق أفريقيا

بعد مرور نصف مليون سنةٍ بالتوقيت الجيولوجي على أرديبيتيكوس راميدوس، بين ٣ و٤ ملايين سنةٍ مضت، بدأنا نرى علاماتٍ على كائنٍ لديه سجلٌّ حفريٌّ أكثر اكتمالًا من أي أشباه بشرٍ بدائيين محتمَلين تحدثنا عنهم في الفصل السابق. يُسمَّى هذا الكائن، الذي هو دون شكٍّ من أشباه البشر، «أوسترالوبيثيكوس أفارينيسيس».

أُطلق هذا الاسم عام ١٩٧٨ على الحفريات المُستخرجة من منطقة لايتولي في تنزانيا ومن موقع عفار الإثيوبي. يشتمل السجل الحفري للأوسترالوبيثيكوس أفارينيسيس على قحفٍ وعدة جماجمَ جيدةِ الحفظ، وعدةِ فكوكٍ سُفلية، وعددٍ من عظام الأطراف يكفي لإعداد تقديراتٍ موثوقٍ بها عن حجم الجسم ووزنه.

يضمُّ الجزء من المجموعة الذي عُثر عليه في منطقة عفار هيكل «لوسي» الشهير، وهو ما يقرب من نصف هيكلٍ عظميٍّ لأنثى بالغة. تصدَّر هذا الاكتشاف الذي أجراه دونالد جوهانسن وفريقه عناوينَ الصحف؛ لأنها كانت أوَّل مرةٍ يَستخرج فيها الباحثون أحد أشباه البشر الأوائل المحفوظين جيدًا على هذا النحو. كانت معرفة أن العظام كلها تنتمي إلى الفرد نفسه تعني أن يتمكن الباحثون من مقارنة الفكين والأسنان بعظام الأطراف، وعظام الذراع بعظام الساق؛ يعني هذا أيضًا أنهم يستطيعون معرفة طول الجسم ووزنه والطول النسبي للأطراف.

تُخبرنا الصورة التي تظهر عن شبيه البشر أوسترالوبيثيكوس أفارينيسيس أن وزنه يتراوح بين ٧٥ و١٢٥ رطلًا. ويتراوح حجم دماغه بين ٤٠٠ و٥٠٠ سنتيمتر مكعب، وهو أكبر من الحجم المتوسط لدماغ الشمبانزي وأكبر بكثيرٍ من الحجم المُقدر لدماغ إنسان تشاد السواحلي الذي يتراوح بين ٣٠٠ و٣٢٥ سنتيمترًا مكعبًا. ومع هذا، عند مقارنة حجم الدماغ بحجم الجسم (الحوت الأزرق دماغه أكبر من دماغ الإنسان الحديث، لكنه يزن أكثر منا) فإننا نجد أن دماغ الأوسترالوبيثيكوس أفارينيسيس أكبر بقليل من دماغ الشمبانزي المساوي له في الحجم. كما أن أسنانه القاطعة (الأسنان الأربع التي تظهر في كلِّ فكٍّ عندما يبتسم الناس) أصغر بكثيرٍ من أسنان الشمبانزي، لكن أسنان المضغ لدى الأوسترالوبيثيكوس أفارينيسيس (اثنين من الضواحك وثلاثة ضروس على كل جانبٍ في الجزء الخلفي من الفك، لا بد أن تجعل شخصًا ما يضحك بشدة حتى تراها) أكبر من الموجودة لدى الشمبانزي. يشير هذا إلى احتواء نظامه الغذائي على أشياءَ صعبةِ المضغ أكثر من نظام الشمبانزي الغذائي. هذا ويشير شكل بقايا الحوض والأطراف السفلى وحجمها إلى أن الأوسترالوبيثيكوس أفارينيسيس كان قادرًا على السير على قدمين لكن ربما لمسافاتٍ قصيرةٍ فقط.

إن أقدم مساراتٍ محفوظةٍ لآثار أقدام أشباه البشر، وأقدم حفرياتٍ لآثار أشباه البشر هي تلك التي تبلغ من العمر ٣٫٦ ملايين سنة، واكتشفتها ماري ليكي في لايتولي في تنزانيا. إن آثار أقدام أشباه البشر هي واحدة فقط ضمن العديد من الآثار التي تركتها حيوانات ضخمة وصغيرة، يتراوح حجمها بين الخيول والأرانب البرية. وقد حُفظت آثار الأقدام والحوافر جيدًا بسبب تصادف سير الحيوانات فوق منطقةٍ مسطحةٍ مغطاةٍ بطبقةٍ من الرماد البركاني المُبلل حديثًا بفعل عاصفةٍ مطيرة. إن نوع الرماد البركاني الناعم الموجود في لايتولي له محتوًى كيميائيٌّ يجعله مثل الإسمنت؛ لذلك عندما جففت الشمس هذه الطبقة أصبحت قاسيةً مثل الحجارة. تشبه هذه العملية الأسلوبَ المُستخدم خارج أحد مطاعم هوليوود من أجل حفظ بصمة الكف والقدم لنجوم الأفلام. تمدنا هذه الآثار المتحجِّرة بأدلةٍ تصويريةٍ على أن أحد أشباه البشر المعاصرين لهذه الفترة، المفترض أنه أوسترالوبيثيكوس أفارينيسيس، كان قادرًا على السير على قدمين. يتماشى حجم آثار الأقدام وطول الخطوة مع تقديرات ارتفاع الجسم التي استُخدمت عظام أطراف أوسترالوبيثيكوس أفارينيسيس للتوصُّل إليها؛ مما يُشير إلى أن طول الأفراد عند الوقوف كان يتراوح بين ٣ و٤ أقدام.

تنتمي الحفريات المُستخرجة من موقعٍ في كينيا يُدعى كانابوي — ويرجع تاريخها إلى ٣٫٩–٤٫٢ ملايين سنةٍ مضت — إلى نوعٍ مختلفٍ من أشباه البشر هو «أسترالوبيتك أنامنسيس»، الذي ربما يكون سلف أوسترالوبيثيكوس أفارينيسيس. تشبه أنياب أسترالوبيتك أنامنسيس الشمبانزي أكثر من أنياب أوسترالوبيثيكوس أفارينيسيس، ومع هذا تختلف أسنان المضغ لديه عن أسنان الشمبانزي كثيرًا. نُسبت حفريات أشباه البشر التي تبلغ من العمر ثلاثة ملايين ونصف مليون سنةٍ والتي جُمعت من بحر الغزال في تشاد في عام ١٩٩٥ — ليس بعيدًا عن الموقع الذي سيُكتشف فيه إنسان تشاد السواحلي فيما بعد — إلى «أوسترالوبيثيكوس بحر الغزال»، مع هذا يَدَّعي بعض الباحثين، ربما على نحوٍ صحيح، أن هذه البقايا لا تنتمي إلى نوعٍ منفصلٍ من أشباه البشر، وإنما إلى نوعٍ مختلفٍ جغرافيًّا من الأوسترالوبيثيكوس أفارينيسيس.

أما النوع الرابع من أشباه البشر القدامى في شرق أفريقيا، «أوسترالوبيثيكوس جارحي» الذي عُثر عليه في بوري في وسط منطقة أواش في إثيوبيا، فهو الأغرب من عدة جوانب؛ حيث تشير عظام الأطراف التي عُثر عليها مع الحفرية إلى أنه كان يسير على قدمين، لكن أسنان المضغ لديه أكبر بكثيرٍ من الموجودة لدى أنواع الأوسترالوبيثيكوس الثلاثة الأخرى التي عُثر عليها في شرق أفريقيا. لم يُعثَر على أدواتٍ حجريةٍ مع حفريات أوسترالوبيثيكوس جارحي، لكن تظهر على عظام الحيوانات التي عُثر عليها على مقربةٍ منه علاماتٌ واضحةٌ على أن الجلد قد أُزيل بأداةٍ حادة؛ فلا يمكن أن يَسمح بإزالة الجلد بمثل هذه الدقة إلا قِطع حجرية حادة استخدمها أشباه البشر. وحاليًّا، هذا هو أقدم دليلٍ على أن أشباه البشر منذ مليونين ونصف مليون سنةٍ كانوا يُزيلون عن عمدٍ جلدَ جثث الحيوانات.

اضغط على الرابط لقرائة باقي المقال
⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩

إرسال رد أو تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها