إعتماد ابن تيمية على العقل فى مجاله

2016-07-31

إعتماد ابن تيمية على العقل فى مجاله

وما ينبغي لنا أن نظن أن ابن تيمية يهمل العقل وتفكيره حين يجعل الكتاب والسنة وآثار الصحابة ومن إليهم سنده الأول في بحوثه وآرائه، بل مستنده الوحيد بعبارة أدق، فإن فهم كتاب الله وسنة رسوله فهما عميقًا حقًّا يحتاج بلا ريب إلى قلب واع وعقل مفكر نافذ، ولكنه كان يعرف للعقل قيمته ومجاله الذي يصول فيه ويجول، فلا يجاوز به هذا المجال ولا يرتفع به عن قدره.

ولكن معرفة هذا المجال هي المشكلة التي شغلت الفلاسفة والمفكرين في كل عصر، وبخاصة مفكري الإسلام ورجال الفلسفة فيه، فإن منهم من آمن بالعقل ونظره إيمانًا راسخًا، ووثقوا به ثقة مطلقة، فكان هذا سبب ضلال بعضهم إلى حد كبير، حين ظنوا أنهم بعقولهم وحدها قادرين على معرفة عالم الشهادة وعالم الغيب أيضًا!

إن القرآن دعا حقًّا إلى وجوب ملاحظة ما خلق الله من عوالم مختلفة، وإلى إعمال العقل فيها؛ وذلك ليصل الإنسان إلى الإيمان بإله واحد خلق ذلك كله؛ ولذلك نجد آيات كثيرة تختم بهذه الجُمَل وأمثالها التي لها دلالتها: لعلكم تعقلون، لعلكم تذكَّرون، لعلكم تهتدون، لقوم يتفكرون.

وكان من تنبيه القرآن، باشتماله على هذا الضرب من الآيات وأمثالها، العقلَ إلى التفكير للوصول إلى الإيمان بالله الخالق العلي الحكيم، أن ظهر في البيئة الإسلامية كتب «العقل» لداود بن المجبِّر بن فَهدَم أبي سليمان البصري وأمثاله، وروى أصحاب هذه الكتب أحاديث عن الرسول ﷺتشيد بالعقل إلى أكبر الحدود، وتجعل له الأثر البالغ في كل شيء.

رأى ابن تيمية فى الحديث

ويذكر ابن تيمية حين سُئل رأيه في هذا الحديث: «أول ما خلق الله العقل، فقال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر، فأدبر، فقال: وعزتي ما خلقت خلقًا أكرم عليَّ منك، فبك آخذ، وبك أعطي، وبك الثواب والعقاب»، حين سئل الشيخ عن هذا الحديث قال: هذا الحديث باللفظ المذكور قد رواه من صنَّف في فضل العقل كداود بن المجبر ونحوه. ثم يذكر رأيه في الحديث فيقول: واتفق أهل المعرفة بالحديث على أنه ضعيف بل موضوع. ثم ينقل عن الحفاظ أن الأحاديث المروية عن الرسول في «العقل» لا أصل لشيء منها، وبخاصة والمراد بالعقل فيها هو العقل الإنساني كما يزعم الذين رووها.

ومهما يكن من أمر، فقد كان المعتزلة أول من أشادوا مِن بين الفرق الإسلامية بالعقل، فجعلوه الفيصل في أمر الإيمان والعقيدة، حتى ليقول في مدحه أحد قدامى رجالهم، وهو بشر بن المعتمر من بغداد:

لله در العقل من رائد
وصاحب في العسر واليسر
وحاكم يقضي على غائب
قضية الشاهد للأمر
وإن شيئًا بعض أفعاله
أن يفصل الخير من الشر
لذو قوًى، قد خصه ربه
بخالص التقديس والطهر١١

على هذا النحو افتتن كثير من المفكرين المسلمين بالعقل، وجاوزوا به قدره ومجاله، حتى رأوا فيه فيصلًا بين الحق والباطل، ومميزًا الخير من الشر، ومن ثم، عمدوا إلى تأويل كثير من نصوص القرآن والحديث الصحيح، إذا تعارضت ومن ثم، عمدوا إلى تأويل كثير من نصوص القرآن والحديث الصحيح، إذا تعارضت في ظاهرها مع نظر العقل، لتتفق وما يرونه من حقائق أدى إليها النظر العقلي الصحيح.

ونجد هذا الضرب من التأويل الذي يفترض أولًا تعارض النقل والعقل أحيانًا كثيرًا عند المعتزلة والمتصوفة والشيعة، وكذلك بعض رجال الأشاعرة كأبي حامد الغزالي الذي وضع لأجل هذا قانونًا للتأويل؛ وذلك ليكون التزامه حائلًا دون الغلو في تأويل النصوص.١٢

وإذا كان الإمام الغزالي قد اضطر للخوض في مشكلة التأويل، وكان التأويل من عناصر منهجه في البحث، فلذلك سببه الواضح؛ فهو متكلم وفيلسوف ومتصوف معًا، فهل كان الأمر كذلك بالنسبة للإمام ابن تيمية؟ وهل كان من عناصر منهجه في البحث تأويل ما لا يتفق ونظر العقل من النصوص؟

مشكلة تأويل نصوص القرآن والحديث

لم تعرض مشكلة تأويل نصوص القرآن والحديث لابن تيمية، وإنما هو الذي رأى ضروريًّا أن يعرض لها، وذلك حتى يدفع عن النصوص المقدسة عادية «المؤولين» الذين أسرفوا في التأويل لتشهد هذه النصوص لما ذهبوا إليه من آراء، فقد كانوا يعتقدون ثم يستدلون، أما هو فكان يستدل أولًا ثم يعتقد ثانيًا ما أداه إليه الدليل النصي.

إنه يرى أولًا أن يفرق بين التأويل في عرف السلف، وبينه عند المتكلمين — وبخاصة المعتزلة منهم — والفلاسفة والمتصوفة الإسلاميين.

فالتأويل عند رجال السلف هو التفسير وبيان المراد من النص القرآني أو الحديثي، وبهذا المعنى ورد كثيرًا في القرآن نفسه، وهو التأويل المقبول. ومن ثم، يقال: إن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم كانوا على علم بتأويل القرآن الذي فهموه وفسروه كله، وفي هذا يقول الحسن البصري من التابعين: ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يُعلم ما أراد بها.

ولهذا لا يجوز التوقف وترك بيان معنى الآية من آيات القرآن؛ لأن الله أمرنا أن نتدبره وأن نفهمه، والرسول ﷺ لم يترك هذا من غير بيان للصحابة. اللهم إلا أن يقال إن الرسول كان لا يعلم معاني القرآن الذي أنزل عليه، أو كان يعلمها ولم يبلِّغها كلها مع أنه مأمور من الله بالتبليغ، وكل ذلك غير معقول ولا مقبول.

نوع آخر من التأويل

وأما النوع الآخر من التأويل، الذي قال به كثير من فلاسفة الإسلام ومتصوفيه ورجال علم الكلام، فهو أمر آخر غير النوع الأول. إنه في اصطلاحهم الخاص، كما يذكر ابن تيمية نفسه «صرف اللفظ عن المعنى المدلول عليه المفهوم منه إلى معنًى آخر يخالف ذلك»؛ أي صرف اللفظ عن معناه الظاهري إلى معنًى آخر خفي.

ومع ذلك، فهذا ضرب من التأويل لم يغب عن الرسول ﷺ، فإنه نفسه بيَّن، في كل موضع يجب فيه ترك المعنى الظاهري، المعنى الآخر المراد بهذا اللفظ؛ وذلك لأنه «لا يجوز عليه أن يتكلم بالكلام الذي مفهومه ومدلوله باطل ويسكت عن بيان المراد الحق، ولا يجوز أن يريد من الخلق أن يفهموا من كلامه ما لم يبينه لهم ويدلهم عليه» إلى آخر ما قال.

وما دام الأمر كذلك، فلا تعارض بين المعقول الصريح والمنقول الصحيح عن الرسول في رأي الشيخ الكبير؛ أي لا تعارض بين ما وصل إليه العقل السليم، وبين ما ثبت نقله عن رسول رب العالمين بطريق صحيح لا ريب فيه.

هكذا يرى بحق، وهو يؤكد في مواضع كثيرة من كتبه أنه قد تحقق ذلك بنفسه؛ إذ تبين له بعد استقصاء وتفكير طويل اتفاق ما جاء به السمع عن الرسول مع ما وصل إليه العقل الصحيح النظر، وهو في هذا يقول:

«المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط، وقد تأملت ذلك في عامة ما تنازع الناس فيه فوجدت ما خالف النصوص الصحيحة الصريحة شبهات فاسدة يُعلم بالعقل بطلانها بل يُعلم بالعقل ثبوت نقيضها الموافق للشرع.

ابن تيمية ورأية فى مسائل الأصول الكبار

وهذا تأملته في مسائل الأصول الكبار، كمسائل التوحيد والصفات، ومسائل القدر والنبوات والمعاد، وغير ذلك.

ووجدت ما يُعلم بصريح العقل لم يخالفه سمع قط، بل السمع الذي يقال إنه يخالفه، إما حديث موضوع، أو دلالة ضعيفة، فلا يصلح أن يكون دليلًا لو تجرد عن معارضة العقل الصريح، فكيف إذا خالفه صريح المعقول!»

ولنا أن نقرر بعد ما تقدم أن ابن تيمية لم ير أن هناك مشكلة تسمى مشكلة التأويل تتطلب حلًّا لها، ولم ير أن يقوم منهجه في البحث للوصول إلى الحق على التأويل الذي أمعن فيه غيره من المعتزلة والفلاسفة وغيرهم.

وذلك لأن هذه المشكلة عرضت لهؤلاء من المسلمين لما قام لديهم من وجود تعارض بين ما جاء به الشرع؛ قرآنه وحديثه، وبين ما أدتهم إليه عقولهم، فقام منهجهم على تأويل ما لا يتفق ونظرهم العقلي من النصوص الدينية الوحيية.

ولكنه هو لا يرى وجود تعارض مطلقًا بين طريق النقل الصحيح وطريق العقل الصريح، والمنقول الذي يخالف العقل لا يكون إلا حديثًا موضوعًا أو نصًّا آخر لا يدل دلالة قاطعة على ما يراد الاستدلال به عليه، وعلى فرض وجود تعارض بين العقل والنص، يجب ترجيح الأخذ بالنص الثابت عن الأنبياء على ما يؤدي إليه العقل واستدلاله.

ومن الحق — وهذا ما ينبغي علينا هنا أن نشير إليه — أنه ذكر في بعض كتبه أنه عند تعارض العقل والسمع، يجب تقدير ما تكون دلالته قطعية، سواء أكان هو الدليل العقلي أم الدليل السمعي، ولكنه قال بعد ذلك بقليل: «لكن كون السمعي لا يكون قطعيًّا دونه خرط القتاد»؛١٧ يريد أن يقول بأن الدليل السمعي، متى ثبت صحة نقله، يقدم دائمًا على العقل وما يؤدي إليه.

وكل هذا ينتهي بنا إلى النتيجة التي استخلصناها آنفًا، وهو أن مشكلة التأويل لم تعرض لابن تيمية بل هو الذي عرض لها، وأن التأويل ليس من عناصر منهجه الذي اتبعه بأمانة في كل بحوثه ومناظراته وكتاباته.

ومن البدهي مع ذلك كله، أنه لم يكن يهمل العقل والفكر في دراساته، وما كان لمثله أو لأي باحث آخر أن يهمل أشرف جزء في الإنسان، وبه كرمه الله وأعلاه على كل ما خلق، ولكنه لم يجاوز به قدره ومجاله، ولم يجعله حاكمًا على نص قرآني أو حديث صحيح، بل أراد له أن يكون دائمًا في مدار الشريعة وكتابيهما المقدسين: كتاب الله المحكم، وسنة رسوله الصحيحة، فإذا خرج به الإنسان عن هذا المدار ضل ضلالًا بعيدًا.

اضغط على الرابط لقرائة باقي المقال
⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩

إرسال رد أو تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها