إعجاب المسلمين بالتحف الفنية الصينية

2017-08-03

إعجاب المسلمين بالتحف الفنية الصينية

عرفنا إذن أن العلاقة بين الشرقين الأدنى والأقصىكانت وثيقة في العصرالإسلامي، ورأينا أن العالم الإسلامي الشرقي عرف الفنانين الصينيين عن كثب، وأتيح له أن يرى التحف الصينية منتشرة في ربوعه، ونريد الآن أن نستعرضبعضالنصوصالأدبية والتاريخية التي تشهد بأن المسلمين كانوا يعترفون لرجال الفن في الصين بالأسبقية في ميدان الفنون، كما كانوا يعجبون بالتحف الفنية الصينية أشد إعجاب. والحق أن كتَّاب العرب وشعراء الفُرس وكتَّابهم كانوا يعجبون منذ فجر الإسلام بمهارة الصينيين في الفنون والصنائع الدقيقة، وكانوا يضربون بهم المثل في إتقان التصوير، وحسبنا أن أحد الشعراء الفرس في العصر الإسلامي يقول في وصف حبيبته: إن شفتها الجميلة تبدو كأنها رسمت بريشة مصور صيني. 1 وقد كتب ابن الفقيه الهمذاني (في نهاية القرن الثالث الهجري وبداية العاشر الميلادي) أن لله — عز وجل — خصأهل الصين بإحكام الصناعة، وأنه منحهم في ذلك ما لم يمنحه أحدًا غيرهم، فكان لهم الحرير والغضائر الصيني والسروج الصيني، وغير ذلك من المنتجات الدقيقة المحكمة.

وتحدث المسعودي (المتوفىَّ سنة ٣٤٦ ه/ ٩٥٧ م) عن ملك من ملوك الصين شيد السفن وأرسل عليها وفودًا إلى البلاد المختلفة؛ تحمل لطائف بلاد الصين، فلم يَرِدُوا على أهل مملكة إلا وأعجبوا بهم واستظرفوا ما أوردوه من أرضهم. 3 وذكر أيضًا أنهم لم يعبدوا الأصنام فحسب، بل كانوا يعبدون الصور، ويتوجهون نحوها بالصلوات. 4 وأهل الصين من أحذق خلق لله كفٍّا بنقش وصنعة؛ وكل عمل لا يتقدمهم » : وكتب فيه أحد من سائر الأمم، والرجل منهم يصنع بيده ما يقدر أن غيره يعجز عنه، فيقصد به باب الملك يلتمسالجزاء على لطيف ما ابتدع؛ فيأمر الملك بنصبه على بابه من وقته ذلك إلى سنة؛ فإن لم يخرج أحد فيه عيبًا أجاز صانعه وأدخله في جملة صناعه، وإن أخرج أحد عيبًا اطَّرَحَه ولم يجزه … وقصدهم بهذا وشبهه الرياضة لمن يعمل هذه الأشياء 5«. ليضطرهم ذلك إلى شدة الاحتراز وإعمال الفكر فيما يصنعه كل واحد منهم بيده لطائف » وكتب أبو منصور الثعالبي (المتوفىَّ سنة ٤٢٩ ه/ ١٠٣٨ م) في كتابه 6 نبذة عن مهارة الصينيين في الفنون، ونقلها عنه النويري (المتوفىَّ سنة ٧٣٣ ه/ « المعارف ١٣٣٣ م). قال النويري: 7 وأما الصين وما اختص به فإن العرب تقول لكل طرفة من الأواني صينية، 8 كائنة ما كانت؛ لاختصاصالصين بالطرائف.

وأهل الصين خصوا بصناعة الطرف والملح وخرط التماثيل والإبداع في عمل النقوش حتى إن مصورهم يصور الإنسان فلا يغادر شيئًا إلا الروح، ثم لا يرضى » ، والتصاوير بذلك حتى يفصل بين ضحك الشامت وضحك الخجل، وبين المبتسم والمستغرب، وبين «. ضحك المسرور والهادئ؛ ويركب صورة في صورة ومما تخيله الشاعر الفارسي نظامي (المتوفىَّ سنة ٥٩٩ ه/ ١٢٠٣ م)، في قصته مباراة في التصوير بين فنان رومي وآخر صيني، وذلك في « إسكندر نامه » الشعرية حضرة الإسكندر وخاقان الصين، ولا غرو فقد كان المسلمون يعجبون بمهارة الروم في التصوير إعجابهم بمهارة أهل الصين فيه، وقد ترجم الأستاذ توماس أرنولد حديث هذه المباراة من المنظومة المذكورة؛ ومن ترجمته الإنجليزية السطور الآتية

At length, it was agreed as test of skill
To hang a curtain from a lofty dome
In such a manner that on either half
Two painters should essay their skill unseen
This vault should show the Rumi’s work of art
While on the other the Chinaman should paint.

ولكن نظامي لا يختم قصة هذه المباراة ببيان الفائز فيها، بل يكشف ميدانًا جديدًا من المهارة عند أهل الصين؛ فيذكر أن المصور الرومي عكف على رسم صورة على القبو الذي أعد له، وبينه وبين زميله ستار يفصله عنه ولا يرفع قبل إتمامهما التصوير، وبينما كان الرومي يفعل ذلك أقبل الفنان الصيني على تلميع الجزء الذي أعد له، فلما رفع الستار انعكست صورة الرومي على الجزء الذي أتقن الصيني تلميعه فظهر كأن لا فرق بين الصورتين؛ وعجب المشاهدون لهذا الشبه العجيب بين الرسمين، ولكنهم لم يلبثوا أن

أدركوا السر في ذلك كله:

For when the painters started on their task
And hid themselves behind the curtain’s screen
The Rumi showed his skill by painting farms
The Chini worked at nought save polishing
The polished wall reflected every line
Of form and colour which the other took.

ومن النصوصالتي جاء فيها ما يشهد بإعجاب المسلمين بالخزف الصيني حكاية لسعدي، الشاعر الإيراني (المتوفىَّ سنة « كلستان » في باب فضل القناعة من كتاب ٦٩٠ ه/ ١٢٩١ م)، تحدث فيها عن تاجر ثرثار أخبره أنه يستعد لرحلة جديدة، فسأله سعدي أين تكون تلك السفرة، وأجاب التاجر: أريد أن أحمل الكبريت من إيران إلى الصين؛ فقد سمعت أن له قيمة عظيمة فيها، ومن هناك آخذ الخزف الصيني إلى بلاد الروم. 11 وقد جاء في المصادر التاريخية والأدبية أن قصرتيمور بسمرقند كانت تزين جدرانه نقوش دونها صور ماني والصور الصينية.

أبدع أنواع » وكتب الرحالة ابن بطوطة (القرن ٨ه/ ١٤ م) أن الخزف الصيني هو 13 كما تحدث عن مهارة أهل الصين في الفنون. 14 قال: ؛« الفخار وأهل الصين أعظم الأمم إحكامًا للصناعات وأشدهم إتقانًا فيها، وذلك مشهور من حالهم، قد وصفه الناس في تصانيفهم فأطنبوا فيه، وأما التصوير فلا يجاريهم أحد في إحكامه من الروم ولا من سواهم فإن لهم فيه اقتدارًا عظيمًا، ومن عجيب ما شاهدت لهم من ذلك أني ما دخلت قط مدينة من مدنهم ثم عدت إليها إلا ورأيت صورتي وصور أصحابي منقوشة في الحيطان والكواغد موضوعة في الأسواق. ولقد دخلت إلى مدينة السلطان فمررت على سوق النقاشين، ووصلت إلى قصر السلطان مع أصحابي ونحن على زي العراقيين، فلما عدت من القصر عشيٍّا مررت بالسوق المذكورة فرأيت صورتي وصور أصحابي في كاغد قد ألصقوه بالحائط، فجعل كل واحد منا ينظر إلى صورة صاحبه لا تخطئ شيئًا من شبهه. وذكر لي أن السلطان أمرهم بذلك، وأنهم أتوا إلى القصرونحن به، فجعلوا ينظرون إلينا ويصورون صورنا ونحن لم نشعر بذلك، وتلك عادة لهم في تصوير كل من يمر بهم، وتنتهي حالهم في ذلك إلى أن الغريب، إذا فعل ما يوجب فراره عنهم؛ بعثوا صورته إلى البلاد وبحث عنه فحيثما وجد شبه تلك الصورة أخذ. 15 أحذق الناس في الصناعات » وكتب ابن الوردي (القرن ٨ه/ ١٤ م) أن أهل الصين والنقوش والتصوير، وأن الواحد منهم ليعمل بيده من النقش والتصوير ما يعجز عنه أهل الأرض. وكان من عادات ملوكهم أن الملك منهم إذا سمع بنقاش أو مصور في أقطار

ملك » 16 كما كتب أيضًا «… بلاده أرسل إليه بقاصد ومال ورغبه في الإشخاص إليه 17«. الصين إذا كان له عدة أولاد، ثم مات، لا يرث ملكه منهم إلا أحذقهم بالنقشوالتصوير وقد جاء في ترجمة فارسية من كتاب كليلة ودمنة (تمت في نهاية القرن ٩ه/ ١٥ م) حين يرسم » ذكر مهارة أهل الصين في الفنون؛ وذلك في معرضمدح مصور، قيل عنه إنه كما قيل عنه أيضًا: «، بريشته وجوهًا، فإن أرواح مصوري الصين تتحير في وادي العجب إن عبقريته جعلت قلوب أولئك الفنانين الصينيين تغمر وتغلب على أمرها في صحراء » 18«. الدهش وقد ذكر ابن خلدون (القرن ٨ه/ ١٤ م) الصين بين الأمم التي اشتهرت بكثرة صنائعها. قال في الكلام عن أن العرب أبعد الناس عن الصنائع: … ولهذا نجد أوطان العرب وما ملكوه في الإسلام قليل الصنائع بالجملة حتى تجلب إليه من قطر آخر، وانظر بلاد العجم من الصين، والهند، وأرضالترك، وأمم النصرانية كيف استكثرت فيهم الصنائع، واستجلبها الأمم من عندهم. 19 ،« أحذق الناس في الصناعات » كما كتب أبو الفدا (القرن ٨ه/ ١٤ م) أن أهل الصين أحذق خلق لله تعالى بنقش وتصوير، بحيث يعمل الرجل الصيني بيده ما يعجز » وأنهم 20«. عنه أهل الأرض ومن دلائل الإعجاب بمهارة الصينيين في التصوير ما تخيله الشاعر الإيراني فقد جعل فيها امرأة « يوسف وزليخا » عبد الرحمن الجامي ( ٩ه/ ١٥ م) في منظومته العزيز تطلب مصورًا صينيٍّا ليرسم صورًا لها وليوسف.

بقي أن نشير إلى أن ملوك إيران، منذ عصر الشاه عباس الأكبر، أقبلوا على جمع التحف الصينية ولا سيما الخزف، الذي كانت لهم منه مجموعة كبيرة حفظوها في مسجد أردبيل، وقد تبعهم في ذلك سلاطين آل عثمان. ولا ريب أننا — بعد هذه النصوص المختلفة — نرى أن أثر الأساليب الصينية في الفنون الإسلامية لا يدل على سيطرة الصين، ولم يكن مصدره معظم الأحيان سيادة عناصرذات ثقافة صينية فيشرق العالم الإسلامي، وإنما يشهد بإعجاب المسلمين — ولا سيما أهل إيران — بتلك الأساليب، وخير دليل على هذا أن الأثر الصيني في الفنون الإيرانية ظل ملموسًا في عصور ازدهرت فيها الروح القومية الإيرانية كعصرالدولة الصفوية مثلًا.

اضغط على الرابط لقرائة باقي المقال
⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩

إرسال رد أو تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها