ابن العاص بعد موت الأشتر

2017-05-23

ابن العاص بعد موت الأشتر

ونُقِل عن ابن العاص بعد موت الأشتر أنه قال: «إن لله جنودًا من عسل …» وكان موت الأشتر بعد شربة من العسل لم تمهله غير ساعات.

ونقل الخبر عن دس السم للحسن — رضوان الله عليه — مؤرخ من الأمويين هو أبو الفرج الأصفهاني صاحب الأغاني المشهور.

قال في كتابه مقاتل الطالبيين: «أرسل معاوية إلى ابنة الأشعث: إني مزوجك بيزيد ابني على أن تسمي الحسن بن علي … وبعث إليها بمائة ألف درهم، فقبلت وسمت الحسن فسوغها٢٧ المال ولم يزوجها من يزيد، فخلف عليها رجل من أهل طلحة فأولدها، فكان إذا وقع بينهم وبين بطون قريش كلام عيروهم، وقالوا: يا بني مسمَّة الأزواج.»

وقال ابن الكلبي عن أبيه في سبب موت الأشتر: «إنه لما سار الأشتر إلى مصر أخذ في طريق الحجاز، فقدم المدينة فجاءه مولى لعثمان بن عفان يقال له: نافع وأظهر له الودَّ، وقال له: أنا مولى عمر بن الخطاب، فأدناه الأشتر وقربه ووثق به وولاه أمره، فلم يزل معه إلى عين شمس، فلما وصل إلى عين شمس؛ تلقاه أهل مصر بالهدايا، وأسقاه نافع المذكور العسل فمات منه … وقال ابن سعد: إنه سم بالعريش، وقال الصوري: صوابه القلزم …»

وجاء في أخبار سنة ثمانٍ وثلاثين لابن الأثير: «خرج الأشتر يتجهز إلى مصر وأتت معاوية عيونه بذلك، فعظم عليه وكان قد طمع في مصر، فعلم أن الأشتر إن قدمها كان أشد عليه من محمد بن أبي بكر، فبعث معاوية إلى المقدم على أهل الخراج بالقلزم، وقال له: إن الأشتر قد ولي مصر، فإن كفيتنيه لم آخذ منك خراجًا ما بقيت وبقيت، فخرج الجايسات — وفي رواية الطبري: الجايستار — حتى أتى القلزم وأقام به، وخرج الأشتر من العراق إلى مصر، فلما انتهى إلى القلزم وأقام به استقبله ذلك الرجل فعرض عليه النزول فنزل عنده، فأتاه بطعام، فلما أكل أتاه بشربة من عسل قد جعل فيه سمًّا، فسقاه إياه، فلما شربها مات … وقام معاوية خطيبًا ثم قال: «أما بعد … فإنه كانت لعلي يمينان، فقطعت إحداهما بصفين — يعني عمار بن ياسر — وقطعت الأخرى اليوم؛ يعني الأشتر.»

•••

ابن الأثير والطبري

واتفق ابن الأثير والطبري على رواية واحدة في الجملة عن موت عبد الرحمن بن خالد بن الوليد: «وكان سبب موته — كما جاء في ابن الأثير — أنه كان قد عظم شأنه عند أهل الشام، ومالوا إليه لما عندهم من آثار أبيه ولغنائه في بلاد الروم ولشدة بأسه، فخافه معاوية وخشي منه، وأمر ابن آثال النصراني أن يحتال في قتله، وضمن له أن يضع عنه خراجه ما عاش، وأن يوليه خراج حمص، فلما قدم عبد الرحمن من الروم دس له ابن آثال شربة مسمومة مع بعض مماليكه فشربها فمات بحمص، فوفى له معاوية بما ضمن له، وقدم خالد بن عبد الرحمن المدينة فجلس يومًا إلى عروة بن الزبير، فقال له عروة: ما فعل ابن آثال؟ فقام من عنده وسار إلى حمص فقتل ابن آثال، فحمل إلى معاوية فحبسه أيامًا ثم غرمه ديته، ورجع خالد إلى المدينة فأتى عروة، فقال عروة: ما فعل ابن آثال؟ فقال: قد كفيتك ابن آثال ولكن ما فعل ابن جرموز؟ يعني قاتل الزبير: فسكت عروة!»

وسبق الطبري فقال: «ذكر جرير وغيره أن رجلًا يقال له: ابن آثال — وكان رئيس الذمة — سقاه شربة فيها سم فمات، وزعم بعضهم أن ذلك من أمر معاوية له في ذلك ولا يصح، ورثاه بعضهم فقال:

أبوك الذي قَادَ الجيوشَ مغربًا
إلى الروم لما أَعْطَت الخرجَ فارسُ
وكم من فتى نبهته بعد هجعة
بقرع لجام وهو أكتع٢٨ ناعسُ
وما يستوي الصَّفَّان صفٌّ لخالد
وصفٌّ عليه من دمشق البرانسُ٢٩

وقد ذكروا أن خالد بن عبد الرحمن بن خالد قدم المدينة، فقال عروة بن الزبير: «ما فعل ابن آثال؟» فسكت: ثم رجع إلى حمص، فثار على ابن آثال فقتله، فقال: «قد كفيتك إياه، ولكن ما فعل ابن جرموز؟ فسكت عروة، ومحمد بن مسلمة في قول».»

•••

الشوائع

وشاعت الشوائع بمثل ذلك عن آخرين من أعداء معاوية ومنافسيه، يملي للناس في تصديقها أن هؤلاء الأعداء ماتوا بغير علة موصوفة في الموعد الذي يبغيه معاوية، وتترتب عليه سياسته التي كان يرجئها إلى مواعدها … فالحسن يموت قبل بيعة يزيد؛ كي لا يخرج معاوية على شرطه المكتوب للحسن، ومالك بن الأشتر يموت على أبواب مصر، وعبد الرحمن بن خالد يموت وهو في أوج سمعته بين قوم أعجبوا من قبله بأبيه، ويوشك أن يتجمع حوله الناقمون من أهل الشام وأهل الكوفة والحجاز … وكله مما يذكر ولا يعجل بنفيه، ولكنه لا يقوم عليه دليل قاطع، وأضعف ما في هذه الروايات تكرار المكافأة بإسقاط الخراج، وهي مكافأة لا توافق جنايات الغدر والغيلة؛ لأنها تتجدد في كل موعد خراج، ولا يزال السؤال عن سبب إسقاطه متجددًا بين العمال وأصحاب الأمر، حتى تنكشف المكيدة كلها مع الأيام، وما كان معاوية بعاجز عن المكافأة على دس السم للأعداء ببذل المال المعجل والمؤجل في الخفاء، فلا يسع المؤرخ أن يقبل هذه التهم جازمًا ولا أن يرفضها جازمًا، ولكن الشبهات والأقاويل وحدها تحدثنا بالشيء الكثير عن ظنون الناس بمعاوية، ووسائله إلى قضاء ما يبغيه.

اضغط على الرابط لقرائة باقي المقال
⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩

إرسال رد أو تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها