الجمعيات الخيرية الإسلامية بالحبشة

2017-05-08

الجمعيات الخيرية الإسلامية بالحبشة

شهادة حبشي وثني

ومما هو جدير بالذكر ما قاله كاتب حبشي يُدعَى «ج. ف. أفيرك Afework»، في كتابه المسمى «دليل السائح في الحبشة»، وضعه باللغة الفرنسية، وطبعه سنة ١٩٠٨ في «روما»، وجعله على طريقة السؤال والجواب، ونحن ننقل بعض شذرات تتعلق بمعاملة الأحباش للفلاحين المسيحيين، ذكرها المؤلف ليدل على سوء المعاملة التي يُعامَل بها قومه الوثنيون، قال:
س: قُلْ لي أخيرًا، هل الرعايا «جبار» في الحبشة هم حقيقةً عبيد «باريا»؟

ج: إن حالة هؤلاء الأقوام لأسوأ بكثير من حالة العبيد؛ لإن هؤلاء يشتغلون لحساب أسيادهم الذين يعطفون عليهم، ويقدمون لهم الطعام والكسوة، بينما الرعايا «جبار» محرمون من هذا كله، فهم يعملون ليلًا ونهارًا لحساب أسيادهم، ويقدمون لهم الغذاء من عرق جباههم.
س: كيف يعامل الحكام المسيحيون الأحباش سكان أقاليم «غالا»؟

ج: إذا كان الرعايا من المسيحيين يُعامَلون تلك المعاملة القاسية البربرية، وهم إخوان الأحباش بالدين، فكيف تكون معاملتهم للوثنيين التعيسين؟ ا.ﻫ.

نقول: إن حالة «غالا» المسلمين لا تمتاز بشيء عن حالة وثنيِّ «غالا» التي ذكرها الكاتب المذكور.

ويظهر لنا، من كل ما قدمناه، أن الحقد على المسلمين لا يزال كامنًا في صدور الأحباش في هذه الأيام، كما كان في الأيام السالفة، حتى إنهم لا يأكلون من ذبيحة المسلم، ويجتهدون في أن تكون حالتهم وهيئاتهم ممتازة عن المسلمين، كما مرَّ لنا في ذكر «الشريطة الزرقاء».

ومن أسباب التباعد والجفاء بين المسيحيين والمسلمين أن المسيحيين يحرصون الحرص كله على أن يكون في أعمالهم وحركاتهم ما يميزهم عن المسلمين، كأنْ يعلقون مثلًا في أعناقهم «عقدًا» خاصًّا يُسمَّى في لغتهم الأمحرية «ماتب».

نعم، إن نفور الحبشي المسيحي من معاشرة الحبشي المسلم وابتعاده عنه يُعَدُّ خيرًا عظيمًا للمسلمين، لو أنه كان خاليًا من الظلم والتعسف؛ لأن حالة الأحباش المسيحيين ومعيشتهم مصحوبة بشيء من القذارة والخطرات الصحية.
فقد ذكر صاحب «الرحلة الحبشية» في الصفحة ١٨٢ عبارةً تدل على ذلك، ننقلها بحروفها، قال:

الأحباش المسيحيون — ما عدا أكابرهم — لا يغسلون أجسامهم ولا ملابسهم؛ فلذلك لا يصعب على الإنسان بعد مخالطتهم برهة قليلة أن يفرِّق بين المسيحي والمسلم؛ لأن المسلم يجدِّد وضوءه كل يوم جملة مرات، فتظهر آثار ذلك عليه.

والأمراض المعدية القتالة، مثل «الزهري» وغيره منتشرة بين عوام «الأمحريين» المسيحيين؛ لكثرة اختلاط النساء بالرجال.

وأما المسلمون فقلما تنشر فيهم هذه الأمراض. ا.ﻫ.

الجمعيات الخيرية الإسلامية بالحبشة

أسَّسَ المسلمون في الحبشة كثيرًا من الجمعيات الخيرية «الإسلامية» لتعليم أبناء المسلمين وتثقيفهم، ومع أن الحكومة لا تمدها بأي عناية أو إعانة، فإنها جاءت بأعمال عظيمة، وهي السبب في إرسال «البعثة الأزهرية» إلى الحبشة، كنادي الاتفاق الإسلامي، والجمعية الوطنية، وجمعية التعاون، وجمعية الشبان المسلمين.

وقد كتب رئيسها إلى جريدة «روز اليوسف» الغراء ثناءً على أعضاء البعثة الأزهرية، درج في عددها المؤرخ ٢١ أكتوبر سنة ١٩٣٥، وينتظر أن تكون هذه الجمعيات المؤلَّفَة من خيار المسلمين في الحبشة سببًا في سعادة أولئك المخلصين في الآتي إن شاء الله تعالى.
مرتبات قضاة الإسلام وأئمة المساجد في الحبشة

أما مرتبات خَدَمَة المساجد وأئمتها في الحبشة وكذلك القضاة، فيقوم بها الأهلون من أموالهم الخاصة بدون أن تمدهم الحكومة بشيء ما.

المسلمون في المناطق المتاخمة للحبشة

يليق بنا، وقد انتهينا من ذكر حال المسلمين في المملكة الحبشية، أن نذكر بصفة عامة حال المسلمين المقيمين في المناطق المتاخمة للحبشة وفاءً للموضوع، فنقول:

أولًا: الإريترة؛ إن المسلمين في شمال الإريترة الإيطالية وشرقيها يؤلفون نصف سكان تلك المناطق على وجه التقريب.

وقد دلَّ إحصاء سنة ١٣٥٠ﻫ/١٩٣١م على أن عدد المسلمين هناك يبلغ ٣٠٠٠٠٠ نسمة من مجموع السكان البالغ عددهم ٦١٧٠٠٠ نفس.

وهؤلاء المسلمون كلهم سنيون، بين أحناف وشافعية ومالكية، ولهم محاكم شرعية، وعلى رأسها القضاة الشرعيون، يفصلون فيما يعرض عليهم من القضايا الدينية والأحوال الشخصية، كما أن لهم الحق أيضًا في الفصل في القضايا «المدنية»، حتى إن بعضهم تنسم فيها المناصب العالية.

وكذلك نجد في «تسناي» مركزًا للطريقة المرغنية، التي هي فرع من الطريقة المرغنية السودانية المصرية.

ولا يخفى أن لهذه الطريقة وغيرها، القِدْح المُعَلَّى في جمع كلمة المسلمين، وتخلُّقهم بالفضائل النفيسة.

وإذا أمعنا النظر في الأمر وجدنا أن المسلمين في هذه المستعمرة الإيطالية قد أحرزوا حظًّا وافرًا من التقدم عمَّا كانوا عليه في الجيل الماضي.
وقد قارن المستشرق الألماني المشهور «لتمان» في مقال له، نشرته مجلة «در إسلام» Der Islam عام ١٣٣٨ﻫ/١٩٢٠م، قابَلَ فيه بين حالة المسلمين وتعدادهم سنة ١٢٨١ﻫ/١٨٦٤م بموجب إحصاء «مونزنجر» Munzinger وحالتهم وعددهم سنة ١٣٢٣ﻫ/١٩٠٥م بموجب الإحصاء الإيطالي، فثبت لديه من هذه المقارنة أن هناك زيادة محسوسة في عددهم، وتقدُّمًا عظيمًا في شئونهم الاجتماعية، كل هذا كان في تلك الفترة القصيرة.

فإذا قيل: إن هذا الفرق لم ينتج من كثرة المواليد لقرب ما بين التعدادين. نقول: إن الأمن والدعة من أكبر دواعي إقبال الناس على سكنى البلاد التي يوجدان فيها، كما قال شاعرنا «المتنبي»:
وَكُلُّ مَكَانٍ يُنْبِتُ العِزَّ طَيِّبُ

وهناك نجد أيضًا عدة قبائل تتكلم اللغة الأمحرية، مثل «الماديا» و«منسا»، وبعض من قبيلة «بوغس» قد اعتنقت الإسلام بعد أن كانت على النصرانية.

وما ذاك إلا لاحتلال المصريين للسودان، ورسوخ أقدامهم فيه، حيث قامت مدينة «كسلا» سنة ١٢٥٦ﻫ/١٨٤٠م، ثم احتلالهم لمدينة «مصوع»، وإقامتهم هناك حوالي عشرين سنة، أي من سنة ١٢٨١ إلى سنة ١٣٠١ﻫ/١٨٦٤–١٨٨٤م.

ولا نزال نرى إلى الآن حركة متواصلة بين أهالي «باريا» و«كنامة» الوثنيين للدخول في الإسلام أفواجًا.

•••
وقد كتب المستر «يوناس يارسون Yonas Ywarson» السويدي مقالًا قيمًا في مجلة «العالم الإسلامي» التي تصدر في «نيويورك»، وذلك عام ١٣٤٧ﻫ/١٩٢٨م، نقتطف منه ما يأتي:

ما كادت بلاد «الإريترة» تقع في يدي الطليان، وتنفصل عن أجزاء الحبشة، حتى تنفَّسَ سكانها المسلمون الصعداء، وتمتعوا بكامل حريتهم الدينية، وهم يؤلفون أكثر من نصف مجموع السكان، ومحاطون بعناية خاصة من قِبَل الحكومة الإيطالية هناك، وتكرم رجال الدين، وتقدم لهم الإعانات لبناء المساجد وإقامة المدارس والملاجئ، وهم والمسيحيون في الحقوق الاجتماعية على أتم المساواة. ا.ﻫ.

وفي صيف السنة الماضية زار أحد المسلمين البارزين مدينتي «أسمره» و«مصوع»، ونشر في مجلة «الفتح» التي تصدر في القاهرة في عددها الصادر بتاريخ ١٠ ذي القعدة سنة ١٣٥٣ﻫ/١٩٣٨م، مقالًا مهمًّا أظهر فيه إعجابه، مما شاهده في تلك الأصقاع من نظام وحسن إدارة، وملأه من الثناء على الحكومة لما تبذله من العناية وحسن الكياسة مع السكان المسلمين، الذين يتمتعون بكامل حريتهم «الدينية».
ثانيًا: يعيش في السودان «المصري الإنكليزي» عدد عظيم جدًّا من مسلمي تلك المناطق، وخصوصًا في الناحية الغربية من الحبشة.

وقد أشرنا فيما سبق إلى ما كان للسودان المصري من التأثير في الدعاية الإسلامية، ونشر الإسلام، حتى بين الأحباش أنفسهم.

ولا يخفى أن مجموع سكان السودان يبلغ ستة ملايين، بينهم ما يزيد عن النصف «مسلمون سُنِّيُّون» بين مالكية وشافعية.

وهناك طرائق الصوفية المتعددة من «تيجانية» و«قادرية» و«سمانية» و«خلوتية» و«شاذلية» و«مرغنية»، وهي تؤلف جيشًا جرارًا من أهل الصلاح والتقوى، لمحاربة الجهل والإجرام.

وهناك العلماء الأعلام والأدباء والشعراء.

وللمسلمين «المحاكم الشرعية» المنتشرة في جميع أنحاء السودان، وقاضي قضاتهم يُعيَّن من مصر، ويقضي في شئونهم الدينية وأحوالهم الشخصية بأوسع معاني العدل.

والمدارس الإسلامية مزدحمة بالطلاب، ومنهم في «الجامع الأزهر الشريف» كثيرون يقصدونه لإتمام الدروس الدينية العالية.

وفي القلابات، وهو إقليم قديم من «متمه» على حدود الحبشة، نجد أُسَرًا عديدة من أصل حبشي هاجرت من وطنها هربًا من الاضطهادات التي أثارها «النجاشيَّان تاودروس ويوحانس».
ثالثًا: وفي بلاد «كنيا» المتاخمة للحبشة الغربية لمسافة بعيدة، يعيش أكثر من مليون مسلم سني، أي نصف مجموع السكان، وهم على مذهب الإمام محمد بن إدريس الشافعي — رضي الله عنه.

وأهم مراكز المسلمين فيها مدينة «ممبازا» التي نالت شهرةً واسعةً في تلك الأنحاء؛ لأنها كانت من أهم العوامل في نشر الإسلام وبثه في كل «أفريقيا الشرقية»، وكانت ذات صلة متينة مع سكان جنوبي «جزيرة العرب» و«الخليج الفارسي» و«الهند».
رابعًا: المسلمون في «الصومال الإيطالي» يؤلفون الأكثرية الساحقة من سكانه، وبلغ عددهم في إحصاء سنة ١٩٣١م ١٠٠٩١٥٧ نفسًا، وكلهم سُنِّيُّون يتعبدون على مذهب «الإمام الشافعي»، ولهم محكمة شرعية يرأسها قضاة عادلون، والطرق الصوفية فيها منتشرة، ويسمونها «الجماعة»، أهمها «القادرية» و«الأحمدية» و«الصالحية» و«الرافعية»، ولهذه الطرق اليد الطولى في نشر الإسلام، وتحسين الشئون الاجتماعية بين الشعب.
خامسًا: ونجد الصومال الإنكليزي الذي استولت عليه «بريطانيا العظمى» سنة ١٣٠١ﻫ/١٨٨٤م، أن فيه من المسلمين ٣٠٠٠٠٠ ألف نسمة، وكلهم سنيون يتعبدون أيضًا على مذهب «ابن إدريس الشافعي»، وهم متمتعون بإقامة الشعائر الدينية، ولهم محاكم شرعية وقضاة عادلون.

والطريقتان «القادرية» و«الخلوتية» منتشرتان بينهم، وعلى جانب عظيم من الازدهار، وحقوقهم مع الطوائف الأخرى قائمة على المساواة، والحكومة الإنكليزية تحترم شعائرهم الدينية كما قدَّمنا، وتساعدهم على نشر العلم والدين؛ لأنها وجدت في تقدُّمهم العلمي وإطلاق حريتهم الدينية خير معوان لها على رفاهية البلاد، ونشر أجنحة الأمان.

ولا ننسَ أن مدينة «زيلع» كانت من أهم المراكز الحربية للمسلمين ضد طغيان الحبشة.

وكلٌّ مِنَّا يذكر الثورة الشديدة التي دار رحاها في تلك الأصقاع من سنة ١٣١٧–١٣٣٨ﻫ/سنة ١٨٩٩–١٩٢٠م، وكان القائم بزعامتها محمد بن عبد الله حسان المهدي، المنحدر من إحدى القبائل الصومالية في «أوجادين» الحبشية.
سادسًا: وفي تلك الأرض المحيطة بمدينة «جيبوتي» التي هي الصومال الفرنسي، نجد ٢٠٠١٠٠ نفس من المسلمين، وكلهم سُنِّيُّون، وعلى مذهب الإمام الشافعي.

والطريقة القادرية هناك تفوق غيرها من الطرق الصوفية، ولها نفوذ يُذكَر في نفس أبناء الشعب «الصومالي» الذين تربطهم باليمن ومسلمي سلطنة «أوسة» و«جلاولو» روابطُ الصداقة المتينة والعلاقات الحسنة.

ومن مدينة «جيبوتي» يمتد خط السكة الحديد إلى داخل الحبشة؛ حتى يصل إلى عاصمتها «أديس أبابا»، مارًّا في «ديرة داوه».

هذه هي البلاد المجاورة للحبشة، والتي تحيط بها من جميع نواحيها، ويقيم فيها المسلمون تحت نفوذ «الإنكليز والفرنساوين والإيطاليين»، بلغت فيها الطوائف الإسلامية منتهى حريتها الدينية، وأصبحت تعيش مع باقي السكان على أتم قواعد العدل والمساواة.

اضغط على الرابط لقرائة باقي المقال
⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩

إرسال رد أو تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها