الخطر – الطبيعة في أوج نشاطها

2017-08-03

الخطر – الطبيعة في أوج نشاطها

اعتدنا أن نشاهد على شاشات التليفزيون أنقاض المدن التي ضربتها الزلازل، أو آلاف اللاجئين المذعورين الهاربين من ويلات انفجار بركاني جديد، حتى إن تلك المشاهد لم تَعُدْ تثير دهشتنا أو مخاوفنا؛ نظرًا لأننا بمنأًى عن تلك الكوارث مكانًا، ولأننا نفتقر إلى التعاطف الحقيقي مع من تحلُّ بهم. ترى الغالبيةُ العظمى من السكان الذين حالفهم الحظ بالعيش في المناطق المزدهرة في أوروبا وأمريكا الشمالية وأوقيانوسيا؛ الكوارثَ الطبيعية الكبرى على أنها أحداث سريعة الزوال تحدث في أراضٍ غريبة بعيدة جدٍّا، مع أنهم هم أنفسهم ليسوا بمنأًى تامٍّ عن التعرُّضلتلك الكوارث. إنها تثير قدرًا من الاهتمام لدى هؤلاء الأفراد، لكنه اهتمام نادرًا ما يكون له تأثير على واقعٍ يوميٍّ يكترث فيه الناس لوقوع جريمة قتْل في مسلسل شهير أو لإحراز فريق كرة القدم المحلي فوزًا، أكثر كثيرًا مما يكترثون لوفاة ٥٠ ألف فرد في أحد الانهيارات الطينية في فنزويلا. اللافت للنظر أن مثل هذا الموقف تجده سائدًا في مناطق في البلدان المتقدمة المعرَّضة هي الأخرى لوقوع الثورات البركانية والزلازل. تَحَدَّثْ إلى أحد سكان مدينة ماموث في كاليفورنيا حول خطر عودة بركان مدينتهم إلى الحياة مرة أخرى، أو إلى أحد سكان مدينة ممفيسبولاية تينيسي حول احتمالات تعرُّضالمدينة لزلزال هائل يسويها بالأرض، ومن المرجَّح أن يهز كتفيه ويخبرك أن لديه أمورًا أكثر إلحاحًا عليه أن يشغل باله بها. والتفسير الوحيد هو أن هؤلاء يعيشون حالة من الإنكار؛ فهم يدركون تمامًا أن كارثة مروعة ستحدث يومًا ما، لكنهم لا يَقْبلون حقيقة أنها قد تحدث لهم أو لأحفادهم.

عندما نتحدث عن الكوارث الطبيعية على نطاق عالمي، ستجد هذا السلوك سائدًا في كل مكان؛ في أوساط الحكومات الوطنية، والوكالات الدولية، والتكتلات التجارية المتعددة الجنسيات، وجزء كبير من المجتمع العلمي. لكن هناك بعضالأسباب تدعو للتفاؤل، وقد بدأ هذا السلوك في التغير في جانب واحد على الأقل؛ فقدصار الجميع الآن على علم بالخطر الذي يحدق بالأرضمن ارتطامها بكويكب أو بمُذَنَّب، والسباق جارٍ من أجل تحديد جميع الكويكبات التي تقترب من الأرضوالتي لديها القدرة على إبادة جنسنا البشري. وبفضل الأفلام الوثائقية التليفزيونية التي تحظى بدعاية واسعة النطاق، والتي تُعرضفي المملكة المتحدة والولاياتالمتحدة الأمريكية، بدأت التهديدات المتفاقمة للانفجاراتالبركانية الهائلة وموجات تسونامي العملاقة تصل الآن إلى جمهور أكبر بكثير من المجموعات المحدودة من العلماء الذين يعملون على هذه الظواهر. على وجه التحديد، كفلت التغطيةُ الإعلامية الشاملة لتسونامي آسيا عام ٢٠٠٤ استيعابَ العالم وتقديرَه لتلك الظاهرة وقدرتها على إحداث الدمار والخسائر في الأرواح على نطاق واسع، حتى صار ذلك معلومًا لدى القاصي والداني. واستجابةً لذلك، تسعى حكومة المملكة المتحدة إلى تشكيل لجنة علمية دولية لتقييم الأخطار الطبيعية المحتملة على هذا النطاق، وهناك خطط بلغت من التطور مبلغًا في وضع نُظُم إنذارٍ بأمواج تسونامي في كلٍّ من المحيطَين الهندي والأطلسي. الواقع أن كوكب الأرض مكان هشٌّ للغاية؛ مما يجعله محفوفًا بالمخاطر؛ فهو صخرة صغيرة تندفع بعنف وسرعة عبر الفضاء، تدمره الحركات العنيفة لقشرته، فضلًا عن تعرُّضه لتغيُّرات مناخية هائلة بسبب تغيُّر ظروفه الجيوفيزيائية والمدارية. وبعد مُضي ١٠ آلاف عام فحسب على نهاية العصرالجليدي، يشهد كوكب الأرضأعلى درجات حرارة عرفها تاريخ الأرضالحديث. وفي الوقت نفسه يزيد الانفجار السكاني واستنزاف الموارد البيئية كثيرًا من تعرُّضالمجتمع الحديث للكوارث الطبيعية مثل الزلازل، وأمواج تسونامي، والفيضانات، وثورات البراكين. في هذا الفصل التمهيدي، سنتناول الأخطار الحالية المحدقة بهذا الكوكب ومَن يعيشون عليه تمهيدًا للنظر في الأخطار المستقبلية الأشد وطأة. كوكب الأرضهو الكوكب الأكثر نشاطًا في نظامنا الشمسي، وهذا النشاط هو الذي حبانا بمجالنا المغناطيسيالواقي، وغلافنا الجوي، ومحيطاتنا، وأخيرًا حياتنا. لكن الميزات الجيوفيزيائية التي تجعل الأرض تهب الحياة وتحافظ عليها هي نفسها التي تجعلها محفوفة بالمخاطر. على سبيل المثال، البراكين المذهلة التي ساعدت في وقت مبكر من

تاريخ كوكبنا على تكوين الغلاف الجوي والمحيطات هي نفسها التي أبادت خلال القرون الثلاثة الماضية رُبع مليون شخص، وألحقت إصابات بأعداد لا حصرلها. في الوقت نفسه، الأمطار التي تغذي الأنهار وتوفر لنا مياه الشُّرب التي نحتاج إليها للبقاء على قيد الحياة قد دمَّرت مساحات شاسعة من الكوكب عن طريق الفيضانات التي بلغت معدلات هائلة في السنوات الأخيرة. ففي أي سنة منذ ١٩٩٠ ، قُتل نحو ٢٠ ألف شخصوتضرر عشرات الملايين بسبب الفيضانات الجارفة، وفي عام ١٩٩٨ ألحقت فيضانات نهرية كبرى في الصين وبنجلاديش أضرارًا بمئات الملايين من السكان. ويمكنني أن أستمر على المنوال نفسه وأتحدث عن عدد الأشخاص الذين استمتعوا بتساقط الثلوج في بدايتها والذين سرعان ما فقدوا حياتهم عندما تحوَّل الأمر إلى انهيار جليدي، أو كيف يمكن لنسيم خفيف يحرك الزوارق بخفة على سطح الأمواج أن ينقلبسريعًا إلى ريح عاتية تسفر عن دمار بالغ؛ لكني أعتقد أن الصورة قد اتضحت. توفر لنا الطبيعة كل احتياجاتنا، لكن يجب أن نتوخى بالغ الحذر من تقلباتها السريعة.

اضغط على الرابط لقرائة باقي المقال
⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩

إرسال رد أو تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها