الدراسات التجريبية والدراسات القائمة على الملاحظة المستخدمة فى علم الأوبئة

2016-09-17

الدراسات التجريبية والدراسات القائمة على الملاحظة المستخدمة فى علم الأوبئة

الدراسات التجريبية والدراسات القائمة على الملاحظة

تنطبق مبادئ علم الأوبئة التي ذكرناها حتى الآن على كافة أنواع الدراسات، على الرغم من أن الأمثلة والمناقشة تركزت على الدراسات القائمة على الملاحظة، وهي تلك التي لا يتدخل الباحث فيها إلا بملاحظة الأفراد وتسجيل المعلومات عند نقطة زمنية معينة أو خلال فترة زمنية ما. الميزة الكبرى لهذه النوعية من الدراسات أنها يمكن أن تُجرى نظريًّا في جميع السياقات من أجل بحث أي ظاهرة متعلقة بالصحة. أما عيبها، فهو أن جميع المقارنات بين المعدلات والمخاطر في مجموعات مختلفة من الأفراد، مثل معدلات الإصابة بالالتهاب الشعبي المزمن بين أولئك المعرضين لملوثات الهواء في مدينة ما وغير المعرضين لها، يمكن أن تتأثر دومًا بعوامل مجهولة غير تلك الملوثات. إن التدابير المحكمة التي حددنا خطوطها العريضة بالفصول السابقة ضرورية في تلك المواقف المبنية على الملاحظة بهدف التوصل إلى استنتاجات حول الدور السببي المحتمل لعامل معين مثل تلوث الهواء في حالة مرض كالالتهاب الشُّعبي المزمن.

ربما صارت الحياة أبسط لو استطاع عالِم الأوبئة — مثلما هو الحال مع التجارب المعملية — تحديد أيُّ الأفراد سيخصَّص لهم استنشاق الهواء الملوث، وأيُّهم سيخصَّص لهم استنشاق الهواء غير الملوث على مدى عدة سنوات، مع التأكد مسبقًا من أن جميع المشاركين في التجربة متشابهون إلى حد كبير في جميع النواحي، فيما عدا تعرضهم لنوعين مختلفين من الهواء. أبسط وأضمن أداة لتحقيق هذا التشابه أن تُجرى عملية التخصيص بعشوائية تامة، عن طريق رمي عملة معدنية، لتحديد من سيستنشق هواءً ملوثًا أو غير ملوث. وتلعب عملية التعيين العشوائي دور «الضمانة» ضد جميع العوامل المعروفة، والأهم منها، غير المعروفة التي يمكنها أن تجعل المجموعتين مختلفتين إحداهما عن الأخرى. من الواضح أن هذه التجربة العشوائية،

أو ما يطلق عليها «التجربة العشوائية المضبوطة»، غير ممكنة، سواء أكان ذلك لأسباب أخلاقية أو فنية. ومن هنا، جاء النطاق الأصغر حجمًا للدراسات التجريبية العشوائية (التي يطلق عليها أيضًا مصطلح عام وأقل دقة وهو «الدراسات التدخلية») فيما يختص بالدراسات القائمة على الملاحظة، وخاصةً عندما نكون بصدد بحث عامل ما، مثل الهواء الملوث، بسبب آثاره السلبية المحتملة على الصحة. يكمن الموضع الانتقائي في التجربة العشوائية في بحث العوامل التي من الممكن أن تكون لها تأثيرات مفيدة على الصحة. فالعقاقير الجديدة الواعدة يتم اختبارها باستمرار على مجتمع من المرضى المصابين بمجموعة هائلة متنوعة من الأمراض، بدءًا من جميع أنواع السرطان حتى أمراض القلب كاحتشاء عضلة القلب والذبحة الصدرية وأمراض الروماتيزم. علاوةً على تلك التجارب الخاصة بالعلاج، تُجرى تجارب عشوائية كبرى في المجتمعات غير المريضة من أجل اختبار عمليات تدخل وقائية. فبرامج الفحص من أجل التشخيص المبكر، وعلاج الحالات الخطيرة كسرطاني الثدي والقولون، تُطبق من خلال تجارب عشوائية على السكان، وتختبر اللقاحات الجديدة — كاللقاح ضد مرض الإيدز مثلًا — عادةً باستخدام تجارب عشوائية في مجتمعات سكانية كبيرة.

أول لقاح ضد شلل الأطفال

حتى منتصف القرن الماضي، كان شلل الأطفال مرضًا مُعديًا يصيب الجهاز العصبي ويحدث بشكل خاص في فصل الصيف على شكل موجات وبائية متباينة الشدة. كان المرض يصيب بوجه خاص الأطفال وصغار السن الذين قد لا تصيبهم سوى حمى عابرة أو يعانون من شلل رخو ممتد يصيب الأطراف مدى الحياة، أو يتوفون إذا هاجم الفيروس المسبب للمرض المراكزَ العصبية المتحكمة في عملية التنفس. وتم تحديد ثلاثة أنواع من ذلك الفيروس. أجريت بعض المحاولات على نطاق ضيق وإن لم يُكتب لها النجاح للتوصل إلى لقاحات، حتى ظهر لقاح واعد للغاية، في أوائل خمسينيات القرن العشرين يُعطى عن طريق الحقن العضلي، ابتكره د. يوناس سولك، الأستاذ بجامعة بيتسبيرج. وكان اللقاح يتكون من فيروس «ميت» فقد قدرته على إحداث المرض، لكنه يحتفظ بقدرته على تنشيط المناعة الوقائية بأجسام الأشخاص الذين يُحقنون به.

قبل التوصية بالإعطاء الجماعي للقاح، كان لا بد من دليل قوي على الفاعلية الحقيقية له. ولم يكن مجرد البدء في إعطاء اللقاح وملاحظة ما إذا كان معدل الإصابة بمرض شلل الأطفال في انخفاض أم لا خيارًا متاحًا؛ إذ إن معدل تكرار الإصابة بالمرض كان متباينًا للغاية من عام إلى آخر. وكان من المستحيل التمييز بين الانخفاض في معدل الإصابة الناتج عن اللقاح والتباين الذي يحدث من تلقاء نفسه. وكانت هناك مشكلة أخرى، ألا وهي صعوبة التشخيص الصحيح للحالات باعتبارها شلل أطفال، وليست مجرد «أنفلونزا» مثلًا، وهي حالات طفيفة عديدة كانت تمثل المصدر الرئيسي للانتشار عن طريق الاتصال المباشر بين الناس. فاتُّخِذ عندئذٍ قرار بتنفيذ تجربة وقائية فعلية على أطفال المدارس الابتدائية.

كان لا بد من التحديد العشوائي للأطفال الذين سيتلقون اللقاح وهؤلاء الذين لن يتلقوه من بين مجموعة أطفال تتراوح أعمارهم بين السادسة والتاسعة بعد الحصول على موافقة آبائهم من أجل المشاركة في الدراسة. اختير هؤلاء الأطفال من ٨٤ مقاطعة من ١١ ولاية أمريكية. كان من الضروري أن يكون عدد المشاركين هائلًا جدًّا، بحيث إنه حتى إذا حقق اللقاح وقاية بنسبة ٥٠٪ فقط، فإن الفارق في معدل الإصابة بالمرض بين المجموعة التي تلقت اللقاح والتي لم تتلقَّهُ يكون مرصودًا بدرجة عالية من الثقة. وكان يجب إعطاء جرعة واحدة من اللقاح ضد الأنواع الثلاثة للفيروس في بداية الدراسة، ثم جرعة ثانية بعدها بأسبوع، ثم ثالثة بعد مرور خمسة أسابيع. واشتمل العلاج بدون لقاح على ثلاث حقن لكن من مستحضر غير فعال مشابه تمامًا في مظهره للقاح؛ أي «عقار وهمي». إذا أمكن استخدام العلاج الوهمي، فإنه يكون أفضل شكل من أشكال المقارنة مع علاج فعال؛ حيث إنه من المؤكد تمامًا أن مجرد تناول عقار غير فعال قد يحدث أثرًا. لكن قد يتساءل أحد إن كانت اللجان المعنية بالأخلاقيات يمكن أن تجيز اليوم حقن أطفال ثلاث مرات متتالية بمستحضر غير فعال أم لا. كانت التجربة من النوع «مزدوج التعمية» حيث لم يقتصر الأمر على جهل الأطفال (وذويهم) بما إن كانوا يتلقون لقاحًا فعليًّا أم مستحضرًا غير فعال، وإنما كان الأطباء أيضًا يجهلون أي علاج منهما يقدَّم لكل طفل. وبهذه الطريقة، لم يكونوا متأثرين على الإطلاق بمعرفة نوع العلاج عندما يكون عليهم تشخيص حالة إصابة بأنها إصابة بشلل الأطفال من عدمه. انضم إلى التجربة قرابة ٤٠٠ ألف طفل وافق آباؤهم على اشتراكهم بالدراسة (تلقى ٢٠٠٧٤٥ طفلًا اللقاح، بينما تلقى ٢٠١٢٢٩ طفلًا اللقاح الوهمي) من بين إجمالي ما يقرب من ٧٥٠ ألف طفل في المناطق التي أجريت فيها التجربة. لوحظ وجود ٨٢ حالة إصابة بشلل الأطفال من بين الأطفال الملقَّحين خلال ستة أشهر من التطعيم؛ أي بنسبة خطر بلغت ٤١ من كل ١٠٠ ألف طفل،

وحوالي الضعف — أي ١٦٢ حالة — بين غير الملقحين، بنسبة خطر بلغت ٨١ لكل ١٠٠ ألف طفل. كان الفارق بين نسبتَيِ الخطر ٨١ − ٤١ = ٤٠ وهو رقم يفوق ما يمكن توقع حدوثه مصادفة لو لم يكن هناك اختلاف فعلي. ولوحظ انخفاض أقوى للشكل الأكثر خطورة من المرض (النوع الشللي)، بنسبة خطر بلغت ١٦ لكل ١٠٠ ألف طفل من المجموعة الملقحة و٥٧ لكل ١٠٠ ألف في المجموعة غير الملقحة. وهنا كان الاستنتاج مباشرًا بفارق أكبر كثيرًا مما هو الحال مع الدراسة القائمة على الملاحظة؛ لأن الأطفال المختارين للتلقيح أو أولئك الذين تلقَّوا لقاحًا وهميًّا اختيروا عشوائيًّا، كان من الضروري أن تكون المجموعتان متقاربتي الشبه في جميع النواحي فيما عدا الفارق في العلاج المقدم لكلٍّ منهما، وهو ما اعتُبِر بلا تردد سببًا لانخفاض معدل الإصابة في الأطفال الملقحين. أثبتت التجربة فاعلية اللقاح وكانت استهلالًا لبرامج التلقيح المنهجي على مستوى العالم أجمع. بل إن لقاح «سولك» يعد اليوم أفضل سبل الوقاية من مرض شلل الأطفال من حيث الأمان والفاعلية.

اضغط على الرابط لقرائة باقي المقال
⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩

إرسال رد أو تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها