السحر والتكنولوجيا

2017-06-18

السحر والتكنولوجيا

إذا انتقلنا من المجرد والفكري إلى العملي والفعلي، فسنجد أن الاحتكاك المبدئي بالتكنولوجيا الجديدة كثيرًا ما يلهم تأويلات غير علمية حول طريقة عمل هذه التقنيات أو استخدامها. فالاعتياد لا الفهم العلمي هو الذي ينزع عن التقنيات ما يكتنفها من طابع سحري لدى بدء ظهورها؛ وهكذا يستطيع الأشخاص نبذ التأويلات السحرية دون أن يتبنَّوْا تفسيرات علمية للتكنولوجيا. فكم شخص يدرك حقًّا كيف يمكن لقطعة معدنية صغيرة أن تلتقط الموجات غير المرئية التي تُبث في الهواء وتحوِّلها إلى صوت وصورة؟ هذا ما يفعله جهاز التلفزيون. إننا نقبل ذلك وحسب ونعتبره أمرًا غير سحري، لكنه لا يزال يثير حيرة عقول كثيرة. أستطيع أن أتفهم تمامًا سبب اعتياد سيدة عجوز في إنجلترا في مطلع القرن العشرين — بعد أن أدخلت الكهرباء إلى منزلها — سد ثقوب المقابس عند عدم استخدامها بغرض منع تسرُّب الكهرباء.

وقد أسفرت ردود الأفعال المبدئية تجاه الكاميرات والكهرباء — في قرى إنجلترا خلال القرن التاسع عشر — عن ظهور تأويلات سحرية لهذه القوى الجديدة الغريبة؛ فكانت عملية التقاط صورة لشخصٍ ما في مقاطعة سومرست تعتبر أن الشخص «خُطف»، بما يعني أنه «طُلب» أو سُحر؛ وأن عواقب ذلك تتمثل في سوء الحظ أو الموت المبكر. وبالمثل، عندما بدأت البطاريات تظهر في المزارع والورش، ثارت اتهامات لأصحابها بأنهم يستخدمون «القوة الكهربائية» لإيذاء الناس بطريقة تشبه السحر. ويمكن العثور على ردود أفعال مبدئية مشابهة تجاه هذه الابتكارات التكنولوجية نفسها في مختلِف الثقافات حول العالم.

في أواخر القرن التاسع عشر، قدَّم المستكشفون والمبشرون الأوروبيون كاميراتهم على أنها أجهزة سحرية كي يؤكدوا تفوقهم، أو لضمان إمكانية الوصول الثقافي لثقافة السكان الأصليين. على سبيل المثال، انتحل الرحالة الاسكتلندي جوزيف طومسون شخصية «مجانجا»، أو معالج في شرق أفريقيا، مخبرًا أبناء قبيلة «ماساي» أن الصور التي يلتقطها لمحاربيهم من شأنها أن تزيدهم بسالة في المعركة على نحوٍ سحري. بعدما انكشفت حقيقة عمل الكاميرا بعد عقود، ظل استخدام الصور جزءًا من ممارسة السحر الشعبي. في غرب كينيا في خمسينيات القرن العشرين، ابتكر الأطباء السحرة طقوسًا لاستنزال اللعنات تتضمن أن تنزف صورة الضحية عند قطعها كدليل على نجاح اللعنة؛ ولهذا السبب، كان الكثيرون يعارضون التقاط صور لهم. لكن إحدى الجماعات المسيحية الأصولية تصدت لذلك بترويج فكرة أن التقاط صورة الشخص مع الكتاب المقدس يبطل مفعول أي أعمال سحرية. استُخدمت الصور أيضًا في ممارسات مماثلة مرتبطة بالسحر المتجانس في أمريكا في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين؛ إذ وجد جامعو الأغراض الفولكلورية الذين عملوا في المجتمعات العرقية الألمانية والأمريكية الأفريقية أن الصور استُخدمت في أشكال قديمة من السحر المتجانس. فمثلًا، كان يُعتقد أن دفن صورة العدو بحيث يكون الوجه نحو الأسفل ستؤدي إلى إنهاء حياة هذا العدو مع اختفاء معالم الصورة. وبالمثل، يمكن حرق الصورة مع التمتمة بتعويذة معينة أو ثقبها بمسمار أو رسم كفن على ظهرها ووضع الصورة مقلوبة لتحقيق الغاية نفسها.

التدخلات السحرية

ولم تكن التكنولوجيا أيضًا منيعة أمام التدخلات السحرية؛ فالسيارات في جميع أنحاء العالم اليوم تحفل بالتمائم طلبًا لحمايتها وحماية راكبيها. وقد اكتشف علماء الإثنوغرافيا الذين عملوا في مروج بوكاج الفرنسية خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، أن حوادث السيارات أو حوادث التحطم كانت تُعزى لأسباب سحرية. وهذه الفكرة ليست سوى شكل تكنولوجي معاصر للاتهامات المتكررة التي وردت في المصادر الأوروبية القديمة، التي كانت تعتبر الساحرات مسئولات عن تحطم عجلات العربات التي تجرها الخيول أو وقوعها في الوحل. وفي بعض مناطق أفريقيا، أضاف ظهور الجرارات بُعدًا جديدًا لصراعات أعمال السحر المرتبطة بالزراعة؛ فقد كشفت دراسة عن الحركة على الطرق في غانا أن تحطم السيارات والشاحنات في المواقع التي تكثر فيها الحوادث على الطرق الجديدة الجيدة أثار شكوكًا في أن يكون سبب هذه الحوادث هو السحر.

والهاتف المحمول هو أحدث تكنولوجيا غيَّرت شكل العلاقات الاجتماعية الأفريقية اليومية. بالرغم من عدم النظر إلى الهواتف المحمولة كتقنية سحرية، اعتقد البعض في بدء ظهورها أنها قد تُستخدم كأداة لإلحاق الأذى السحري؛ ففي نيجيريا عام ٢٠٠٤، أدى انتشار الهواتف المحمولة إلى إشاعة الذعر العام بعد انتشار سريع لشائعات مفادها أن أي شخص يرد على مكالمات من أرقام معينة خبيثة سيصاب بالجنون أو يسقط ميتًا؛ فاجتاح الشبكة سيل من الرسائل النصية حيث أخذ كل شخص يتواصل مع أصدقائه وأفراد عائلته لتحذيرهم من تلك الأرقام، التي نُشر بعضها في الصحف. لكن سرعان ما تلاشت تلك المخاوف بالطبع. يُذكِّرنا هذا الذعر بالهلع الشيطاني الذي ساد أمريكا في مطلع الثمانينيات، حين أشيع أن أسطوانات أغاني الهيفي ميتال تحوي رسائل شيطانية لا يمكن سماعها إلا بتشغيل الأسطوانات بالعكس، وزُعم أن هذه الرسائل قد تؤثر على لاوعي الأشخاص وتدفعهم للانتحار أو عبادة الشيطان. وقد أذكى هذه النار الأصوليون المسيحيون الذين ازداد تأثيرهم بقوة بفضل انتشار القنوات التليفزيونية مدفوعة الاشتراك. وفي الولايات المتحدة الأمريكية أيضًا، أدَّى تطوير «تطبيقات» الهاتف المحمول إلى قيام أصحاب المشروعات ببيع تعاويذ سحرية عبر هذه الوسيلة الجديدة.

تقع الإعلانات في جوهر الفن والتكنولوجيا والتجارة في القرن العشرين؛ ولهذا ليس من المستغرب أن نجد لغة السحر والافتتان تُطبق على أرباب هذه الصناعة. ولا شيء أدل على ذلك من منتجات الحِمية التي تعد بنتائج مذهلة، ومزيلات العرق التي تجذب الجميلات، والعطور التي تثير الرجال، والشامبو الذي يروَّج له على أساس خزعبلات علمية وهمية؛ فاختيار الكلمات المستخدمة في الإعلان عن هذه المنتجات أهم من محتواها الكيميائي؛ فالإعلانات تضيف قيمة للمنتجات، وتحوِّلها بفضل استخدام قوى اللغة والوعد بتحقيق الأمنيات. أهم ما في الأمر أن هذه المنتجات تعد المستهلك بالتحكم في مصيره مثل السحر إذا ما تغاضى عن مبالغاتها، وهو ما يفعله الملايين. فلو لم نكن نعيش حتى الآن في عالم سحري، لما كانت صناعة الإعلانات لتوجد بالطريقة التي نعرفها الآن.


إرسال رد أو تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها


تابع المنتجات

اشترك الان سوق مايوز