السحر والطفل بداخلنا

2017-06-18

السحر والطفل بداخلنا

نمر جميعًا بلحظات سحرية خاصة. ألم تَقُمْ يومًا بحثِّ سيارتك على الإسراع قليلًا وأنت تصعد مرتفَعًا؟ هل تمنيت يومًا أمنية؟ هل شعرت أن موقفًا معينًا كان أكثر من محض صدفة؟ يمكننا التعبير عن رغبتنا في حدوث شيء بصورة عقلانية — مثلًا «أتمنى أن تفقد وظيفتها» — لكن إذا ما تحققت، فقد تتحول التأويلات إلى تأويلات سحرية. هذه ظواهر شائعة خلال ساعات استيقاظنا. أما في أحلامنا، فتأخذنا عقولنا إلى عوالم وأنشطة سحرية؛ فيمكننا أن نطير. تستطيع أفكارنا أن تغير عالم الأحلام حولنا. والحالة الطبية التي تُعرف باسم شلل النوم — والتي سُجلت في ثقافات مختلفة حول العالم وفي السجلات التاريخية — من شأنها توليد ما يبدو كاعتداءات حقيقية ليلية من كائنات خارقة؛ إذ تصاب «الضحية» بشلل مؤقت، وهلوسة سمعية وبصرية، وشعور بوجود حِمل ثقيل على الصدر والحلق. وقد أدت هذه الحالة إلى ظهور شهادات بوجود اعتداءات من الساحرات والشياطين والأشباح والكائنات الغريبة.

حتى إذا لم يكن بعض القراء قد تعرض لمثل هذه الدوافع والتجارب، فلا شك أنهم مروا ببعض اللحظات السحرية في صغرهم. كما أشرنا في فصل سابق، طالما اهتم علماء النفس ﺑ «التفكير السحري» لدى الأطفال. ويقول التعريف العملي الذي اقترحته الجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين إن الحالة تنطبق على الشخص الذي «يعتقد أن أفكاره أو كلماته أو أفعاله تستطيع فعلًا — أو قد تستطيع بطريقةٍ ما — التسببَ في وقوع نتيجة معينة، أو تمنع وقوعها بوسيلة تتنافى مع القوانين الطبيعية للمسببات والنتائج.» وقد ساوى فرويد بين التفكير السحري لدى الأطفال والتفكير الشائع في المجتمعات البدائية ولدى العصابيين، فاعتبره وسيلة بقاء في مرحلة ثورية بدائية. لكن عالم النفس التطوري الرائد جان بياجيه هو أول شخص أجرى دراسات تجريبية مكثفة على عمليات تفكير مرحلة الطفولة، وذلك في عشرينيات القرن العشرين. استنتج بياجيه أن التفكير السحري نابع من عدم قدرة الأطفال على التمييز بين ما هو عقلي وما هو مادي.

ويعتقد أن السن من السادسة إلى التاسعة هي السن التي ينبذ خلالها أغلب الأطفال التفكير السحري كقناعة راسخة. غير أن العديد من الدراسات الحديثة أظهرت أن الأطفال في سن الثالثة قد يكون لديهم إحساس «عقلاني» متطور حول العلاقة السببية المادية، ومع ذلك يمارسون التفكير السحري. أجرى عالم النفس التطوري يوجين سابوتسكي تجربة عرض فيها على أطفال في سن الرابعة مائدة «سحرية» تشبه مائدةً وصفها لهم في قصة تدور حول فتاة تمتلك مائدة سحرية تستطيع تحويل دُمى الحيوانات إلى حيوانات حقيقية. وعندما سأل الأطفال عن إمكانية حدوث ذلك، أجابت قلة منهم بنعم. لكن عندما وُضعت دمية على شكل أسد على المائدة السحرية وتم تحريكها بواسطة مغناطيس، أبدى أغلب الأطفال مظاهر الخوف من تَحوُّل الدمية لأسد حقيقي، أو قاموا بالتلويح بعصًا سحريةٍ كان الاختصاصي النفسي قد أعطاهم إياها لمنع الدمية من التحرك. نستنتج من ذلك أن الأطفال عبروا لفظيًّا عن رأي عقلاني، لكنهم عندما تعرضوا لموقف يبدو سحريًّا، جاءت استجابتهم بطريقة سحرية.

التفكير السحري

وقد استكشف العلماء موضوع التفكير السحري من حيث «تفسيرات» الأطفال فضلًا عن رغباتهم؛ كرؤيتهم للحياة والموت مثلًا. على سبيل المثال، فسَّر طفل في الخامسة ما يحدث للأشخاص حين يموتون بأنهم: «يعودون إلى بطون أمهاتهم ويرجعون أطفالًا صغارًا مرة أخرى.» وهذا يبدو مثل فلسفة التجسُّد. تستطيع أفكار الطفولة المبكرة التوصل إلى تشابهات أخرى لما هو وارد في أصول الدين؛ فافتراض الأطفال البديهي أن الجمادات تشعر اعتقاد إحيائي في الأساس.

وبعيدًا عن تبنِّي منظور عقلاني للعالم، يشجع الآباء في مختلِف الثقافات التفكير السحري لدى أطفالهم في سن ما قبل المدرسة، ويقدمون تبريرات سحرية لإرضاء أطفالهم في المراحل المبكرة عند الاستفسار عن طريقة عمل الأشياء أو أسباب حدوثها. كما تشجع كتب الأطفال الخيالات السحرية، وتقدم برامج التليفزيون للأطفال الصغار عوالم سحرية لا تربطها بالعالم الواقعي علاقة قوية؛ فلماذا نغذي التفكير السحري في أطفالنا؟ ما تبعات ذلك على المدى البعيد؟ تردد هذا السؤال كثيرًا: هل رواية «هاري بوتر» مضرة؟ وكما هو متوقَّع، تأتي الإجابات متفاوتة وغير حاسمة وتحمل عدة تفسيرات؛ فليس من السهل فهم التطور المعرفي البشري، مع انقسام الآراء على المستوى الأساسي بين تأثير البيئة والتنشئة. من وجهة نظر إيجابية، اقترح البعض إمكانية استفادة الأطفال من القصص الخرافية والخيالية في استخلاص دروس قيِّمة في التعرُّف على خصائص مرغوبة اجتماعيًّا كالإحسان والصداقة والثقة. علاوةً على أن استكشاف العوالم السحرية يساعد الأطفال على فهم الحدود بين الواقع والخيال مع نمو إدراكهم الأساسي. كذلك قد يساعد التفكير السحري في إثارة التفسيرات المجردة والنظرية الضرورية لتطور المَلَكات الفكرية والإبداعية. ويمنح الاعتقاد السحري الأطفال استراتيجيات التأقلم الضرورية للتعامل مع مواقف التوتر والمآسي التي لولا ذلك ما كانوا مؤهلين عاطفيًّا لمواجهتها.

أكد علماء التربية في القرنين السابع عشر والثامن عشر مرارًا وتكرارًا أن سرد القصص الخيالية وقصص الأشباح والساحرات والجنيات على الأطفال قد يسبب آثارًا مضرة مستمرة؛ إذ سيكبر الصبيان ليصبحوا رجالًا جبناء وتعساء، والفتيات ليصبحن نساءً حمقاوات يؤمنَّ بالخرافات. لكن ثَمَّةَ أدلة قليلة في المؤلفات الحديثة حول علم النفس التطوري تدعم هذه الفكرة الخاصة باستمرار الأثر مدى الحياة، غير أن البعض زعم بوجود علاقة بين التفكير السحري لدى الأطفال والإصابة بالوسواس القهري. لكن لم تؤيد دراسة حديثة شملت ١٠٢ من أطفال المدارس هذه المزاعم، إلا أنها كشفت وجود علاقة متبادلة بين التفكير السحري وزيادة أعراض القلق العام.

ما زال السحر يعرَّف في كثير من مؤلفات علم النفس التطوري بأنه شيء ينتمي للآخر، ولكن هذه المرة، ذلك الآخر هو طفولتنا؛ فمع دخول مرحلة البلوغ نظن أننا «نفقد» طفولتنا، ومعها نفقد ذاتنا السحرية. والمجتمع الغربي الحديث يفضل الحفاظ على هذا «الآخر». لكن التعبير عن التفكير السحري في مرحلة البلوغ يعد تصرفًا غير سوي في رأي الكثيرين، ويخضع للتفسير من منظور الإصابة بالقلق والاضطرابات العصبية والعقلية. لكن كما رأينا، لا يمكن تفسير اعتقاد البالغين في السحر من منظور تفسير مرضي فحسب.


إرسال رد أو تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها