السياسة القائمة بذاتها

2017-02-04

السياسة القائمة بذاتها

إلا أن ما يزيد مفهوم «السياسة» إثارة للاهتمام نقطة أخرى على الأقل ذات بُعد وُجُودي. فلا السياسة التي نفهمها من خلال التعريفات السطحية التي نجدها في القواميس، ولا الفروق القاطعة التي نجدها بين أشكال الأنظمة الاستبدادية أو الشمولية تبين الطبيعة الجوهرية لافتراضاتنا عن السياسة التي تشكَّلت على مر التاريخ. فالسياسة بفضل مكيافيلي وهوبز وآخرين — مثلها مثل «السوق الحرة» — يُتصور أنها عالم مستقل منفصل في حياة الإنسان. يقول مارك لِيلا؛ الأستاذ بجامعة كولومبيا واصفًا هذه العملية بأنها «عملية الفصل العظيمة» — إن الغرب «حرَّر وعزل ووضَّح القضايا ذات الصبغة السياسية الواضحة بعيدًا عن التكهنات بشأن الرابطة الدينية.» ويعني هذا عند لِيلا أن السياسة «صار لها من الناحية الفكرية عالمها الخاص الذي يستحق الدراسة المستقلة» (ليلا ٢٠٠٨، ١٦٢). ويطلق على أبرز مؤيدي هذا المفهوم عن السياسة القائمة بذاتها «الواقعيون السياسيون». مثال لهم كبيرهم الفيلسوف السياسي هانز جيه مورجنثاو، وتلميذه المعاصر الأكثر شهرة هنري كسنجر؛ إذ يرى مورجنثاو أن السياسة «قائمة بذاتها»، بمعنى أنه يُعرِّف السياسة باعتبار أنها لا «تاريخ» لها، فهي شيء مطلق ولا يخضع للزمن: يقول مورجنثاو إن «السياسة — كالمجتمع بصفة عامة — تحكمها قوانين موضوعية لها جذورها في الطبيعة الإنسانية»، بالإضافة لذلك «لم تتغير قوانين السياسة منذ أن سعت الفلسفة القديمة في الصين والهند واليونان لاكتشافها» (مورجنثاو ١٩٦٥، ٤). ومن بين مصادر القيمة الأخرى في «المجال العام» — القانون والأخلاق والدين وغير ذلك — «لا يسعنا سوى إخضاع هذه المعايير الأخرى لمعايير السياسة.» كما يقول مورجنثاو (مورجنثاو ١٩٦٥، ١١).

مورجنثاو

لا ينبغي أن نتصور أن مورجنثاو عرَّف «السياسة» بأنها سيدة الحياة الإنسانية القائمة بذاتها «من فراغ» — أي بصورة نظرية — فتعريف مورجنثاو «للسياسة» أُعد خِصيصَى ليتناسب مع الأهداف الفكرية والاستراتيجيات التي رأى أن عالمه يفرضها. وبصفته لاجئًا من ألمانيا النازية يكتب ويفكر في خضم الحرب العالمية الثانية؛ فقد عاش في عالم مشئوم مليء بالتهديدات. وعلاوة على ذلك، صار مقتنعًا بالفعل من خلال إخلاصه لنيتشه بأن القيم الأخلاقية في الغرب كانت في مرحلة انحلال (فراي ٢٠٠١، الفصل الخامس)؛ لذا لم يعد سوى السياسة باعتبارها «قوة فاصلة تشكل الواقع داخل الأمم وفيما بينها» (فراي ٢٠٠١، ١٤٣). إذن يرى «الواقعيون» مثل مورجنثاو أن السياسة — في تلك الأوقات وربما بصفة أعم — هي ما يحفظ الحق في تنظيم الحياة الاقتصادية، وفي فرض الولاء على الدوائر الدينية أو الأخلاقية. إن الاعتقاد التقليدي بأن السياسة دائرة فريدة ومستقلة في حياة الإنسان، يعني من الوجه الآخر التأكيد على استقلالها عن الأشياء التي نسميها قيودًا «اقتصادية»، أو التحفظات «الدينية» و«الأخلاقية». كما يعني ذلك التأكيد على الحق والواجب الذي يقع على القوى التي تسعى إلى الحفاظ على القيم الإنسانية — كالحلفاء في الحرب العالمية الثانية — في جعل السياسة دليلهم الأوحد. إن صعود نجم هتلر أثبت لمورجنثاو وغيره من «الواقعيين» أن المثالية السياسية فلسفة ضعيفة غير مجدية في وقت كانت «الواقعية» الصريحة هي الفلسفة الوحيدة التي يمكنها أن تتغلب على الأعداء ذوي القوة الكبيرة. لقد قال وودرو ويلسون — ربما يعد أشهر ممثل للمدرسة «الشرعية الأخلاقية» من بين مدارس المثالية السياسية التي عارضها مورجنثاو — إن الأمة «لها قوة أخلاقية عظيمة، بل وعظيمة جدًّا» (ويلسون ١٩١٣). إلا أن جورج كينان، وهو أحد الواقعيين السياسيين من فريق مورجنثاو، كان سريعًا وحاسمًا في هجومه على مثالية ويلسون: «إن الأمة التي تبرر أخطاءها بقدسية تقاليدها التي لا تُمس يمكن أن تسمح لنفسها بالوقوع في كارثة شاملة» (كينان ١٩٥٢، ٧٣). لقد أعطى هذا المنظور شكلًا محدد المعالم لتعريف مورجنثاو «للسياسة» في الإطار الواقعي.

تاريخ الغرب

نحن إذن مَن طَرح — في تاريخ الغرب — هذا المفهوم عن السياسة والمفهوم الغريب المميز المنبثق عنه: «رجل السياسة»، أو بالأحرى «رجل السياسة المحترف». وكما قال العظيم ماكس فيبر، فإن هذا الكائن لا يدخل مجال السياسة باعتباره مجرد «هواية»، أو من أجل قضاء وقت تسلية عابر أو «عرضي»، بل بوصفه فردًا ينتمي لنوع بشري ظهر حديثًا؛ فالسياسة إذن «حرفة» — تكاد تقترب من «الهدف» المقدس — و«وظيفة» (فيبر ١٩٤٦، ٧٧–١٢٨، ٨٣)؛ وبذا فإن هذا الكائن قد يعيش «من أجل» السياسة بوصفها هواية، و«عليها» بوصفها مهنة، معًا (فيبر ١٩٤٦، ٧٧–١٢٨، ٨٤). ويمارس هذا الكائن، بوصفه «سياسيًّا بارزًا» أو «وزيرًا»، السياسات باعتبارها نوعًا من «الفن» (فيبر ١٩٤٦، ٧٧–١٢٨، ٨٩). إلا أن هذا الكائن الجديد في الغرب — كما يؤكد فيبر — ليس الرمز المعروف الموجود في كل مكان؛ أي الشخص الذي يخدم الأمير ويقدم له النصح. وبينما قد يمارس هذا الكائنُ الذي أوجدناه السياسةَ في إطار «الخدمة» المخلصة لحاكم ما، يقول فيبر إن الغرب وحده هو المكان الذي يخدم فيه السياسي المحترف قُوًى غير الحاكم بصورة متفانية ومنتظمة ومِهْنية؛ أي بصفته سياسيًّا «محترفًا» (فيبر ١٩٤٦، ٧٧–١٢٨، ٨٣-٨٤). ومن أجل خدمة تلك القوى التي تتجاوز شخص الحاكم، من الضروري — كما سنرى — أن تظهر «السياسة» أو المجال السياسي، كما رأينا «الدولة بالمعنى التجريدي … تُفصل عن شخص صاحب السيادة» (فيتزجيرالد ٢٠٠٧، ١٩، سكينر ١٩٧٨، ٣٥٢-٣٥٣)؛ إذ لا يخرج «رجال السياسة» عن استراتيجيات التحول الاجتماعي الأعم التي تجعل وجودهم ممكنًا. مرة أخرى، لا يهبط الساسة علينا من السماء، ولا يظهرون من العدم، بل خلال مسار تدفق الأحداث والأهداف على مدار التاريخ.

اضغط على الرابط لقرائة باقي المقال
⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩

إرسال رد أو تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها