المدرسة الإيرانية المغولية

2017-08-03

المدرسة الإيرانية المغولية

ثم ازدهرت في التصوير الإسلامي الإيراني مدرسة أخرى في القرنين الثالث عشر والرابع عشرحين كانت أخطر مراكزصناعة التصوير تبريز وبغداد وسلطانية. أما تبريز في إقليم أذربيجان فقد كانت عاصمة الأمراء المغول في الصيف، بينما كانت بغداد مقرهم في الشتاء بعد أن فتحوها سنة ١٢٥٨ ، وكانت سلطانية إحدى مدن العراق العجمي التي أعجب بها كثيرون من أمراء المغول. وكانت هناك مراكز أخرى كسمرقند وبخارى، ولكن صيت هاتين المدينتين إنما ذاع في العصرالتالي — عصرتيمور وخلفائه — على الخصوص. ولا يجب أن ننسى حين ندرس أية ظاهرة من الظواهر الفنية في عصر المغول أن العلاقة كانت وثيقة في عصرهم بين إيران وبين الشرق الأقصى، إذ إن الأسرتين اللتين كانتا تحكمان في الصين وفي إيران طوال القرنين الثالث عشر والرابع عشر أسرتان مغوليتان تجمعهما روابط الجنس والقرابة. وفضلًا عن ذلك فإن المغول عندما استوطنوا إيران استصحبوا معهم عمالًا وصناعًا وتراجمة من الصينيين. ولذا فإننا نشاهد أن أساليب الشرق الأقصى واضحة في الفنون الإيرانية منذ عصر المغول، ونرى على الخصوص أن الإيرانيين حين عرفوا منتجات الصين في الرسم والتصوير استطاعوا الانصرافعن أساليب المدرسة العراقية وساروا في طريق خاص تطور تطورٍّا طبيعيٍّا حتى وصل إلى القمة في عصرالدولة العباسية.

وهكذا نرى أن المدرسة المغولية هي أولى المدارس الإيرانية الصحيحة في التصوير الإسلامي. ولكن عصرالمغول كان قصير الأمد وكان مملوءًا بالحروب، ولذا فإن منتجات المصورين فيه لم تكن كثيرة، أو لم يصل إلينا منها على الأقل إلاشيء يسير. ولم تتميز هذه الآثار الفنية بالرقة والأناقة التي نراها في منتجات العصرالتيموري أو العصرالصفوي، وإنما كان أكثرها مناظر قتال توضيحًا للكتب في التاريخ أو في القصص الحربي، أو مناظر تمثل أمراء المغول بين أفراد أسراتهم وحاشيتهم. ومهما يكن منشيء فإن عصرالمغول لم يكن أول عهد الإيرانيين بأساليب التصوير عند الصينيين، فقد كان المسلمون عامة يعجبون بمهارة الصينيين والروم في التصوير ويذكرون أن المصور الرومي أو الصيني يستطيع أن يفرق في صوره بين مراحل العمر المختلفة وبين الحالات النفسية المتنوعة، فيمكنه أن يميز ضحكة الشامت من ضحكة المسرور وما إلى ذلك. ويروى أن رودكي أول شعراء الفرس كتب ترجمة شعرية باللغة الفارسية لكتاب كليلة ودمنة قدمها للملك نصر بن أحمد الساماني (في القرن العاشرالميلادي) واستدعى نصربعضالمصورين الصينيين لتزيين مخطوطاتهم بالصور التوضيحية. ولكن هذا الحادث لم يكن له صداه ولم تقم في إيران — على ما نعلم — مدرسة إيرانية في التصوير حتى عصرالمغول. ونلاحظ أن المغول كانت لهم شهرة سيئة في تخريب المدن وسفك الدماء، ومع ذلك فقد كانوا يبقون على الفنانين ويستخدمونهم، فلا غرو أن كان عصرهم عصر ازدهار نسبي في الفنون ولا سيما في التصوير وصناعة الخزف. ولعل لذلك أوثق الصلات بثقافتهم الصينية، لأن اتصال العالم الإسلامي بالشرق الأقصى زاد في عصرهم زيادة كبيرة، وإن كان صحيحًا أن هذا الاتصال يرجع إلى فجر الإسلام. وقد كتب أحد المؤلفين الصينيين في القرن الثامن الميلادي أن كثيرًا من الصناع المسلمين في الكوفة كانوا يتعلمون من الصينيين النقش والتصوير والنسج وصناعات التحف الذهبية والفضية. وعلى كل حال فإن أثر الفن الصيني في صور المدرسة المغولية الإيرانية يتجلى في سحنة الأشخاص، وفي صدق تمثيل الطبيعة، ورسم النبات بدقة تبعد عن الاصطلاحات الوضعية التي عرفناها في المدرسة العراقية، كما يتجلى كذلك في مراعاة النسب ودقة رسم الأعضاء في صور الحيوان. وفضلًا عن ذلك فقد استعار الفنانون الإيرانيون من فنون الشرق الأقصىبعضالموضوعات الزخرفية، ولا سيما رسوم السحب (تشي) ورسوم بعضالحيوانات الخرافية التي امتاز الفن الصيني بها.

ومما نلاحظه في صور هذه المدرسة تنوع في غطاء الرأس، فللمحاربين أكثر من خوذة، وللنساء قلنسوات مختلفة بعضها يزينه ريش طويل، وللرجالضروب شتى من القلنسوات والعمائم. وأكثر صور هذه المدرسة موجود في مخطوطات الشاهنامة وكتاب جامع التواريخ للوزير رشيد الدين المتوفي في بداية القرن الرابع عشروالذي تروي المصادر التاريخية أنه أسس ضاحية لمدينة تبريز سماها باسمه واستخدم فيها خطاطين وفنانين لنسيج مؤلفاته وتوضيحها بالصور.

اضغط على الرابط لقرائة باقي المقال
⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩

إرسال رد أو تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها