الناحية السياسية – ابن تيمية

2016-07-31

الناحية السياسية – ابن تيمية

ظلت الدولة العربية الإسلامية دولة موحدة في الشرق والغرب طوال عهد الخلفاء الراشدين والدولة الأموية، لها أهدافها وغاياتها المعروفة، وتصدر عن رأي واحد جميع، وسياسة واحدة يرسمها الخليفة بالمدينة، ثم بدمشق من بعدُ.

وكان أول هزة عنيفة نالت من هذه الوحدة، ما كان من صراع معروف بين الأمويين والعباسيين، وانتهى هذا الصراع بقيام الدولة العباسية في الشرق والدولة الأموية بالغرب في الأندلس، ثم بالدول الأخرى التي قامت بشمالي أفريقية.

الدولة العباسية فى المشرق

واستقر الأمر للدولة العباسية بالمشرق، ومشت قُدُمًا إلى الأمام حتى كانت فتنة الأمين والمأمون، فكانت إيذانًا بتمزق الوحدة الإسلامية. ثم جدَّت عوامل أخرى جعلت عقد الوحدة ينتثر، وتظهر في رقعة الوطن الإسلامي الأكبر دولة صغيرة هنا وهناك، وكان لذلك أثره القوي في مركز الخلافة وضعف نفوذ الخلفاء وسكون ريحهم.

نعم، مرت الدولة العباسية من ناحية القوة والضعف بأدوار مختلفة، كان لخلفائها في بعضها الكلمة العليا والحكم النافذ، وفي بعضها لم يكن لهم من الحكم والخلافة إلا الاسم والرسم، فكانت السيادة الفعلية للمتغلبين عليهم، أمثال بني بُويه الديالمة (٣٣٤–٤٤٧ﻫ)، والأتراك السلاجقة (٤٤٧–٥٩٠ﻫ)، وفي بعضها الآخر كانوا يسترجعون شيئًا من القوة الذاهبة والعز الذي ولَّى، حتى انتهى أمرهم على أيدي التتار سنة ٦٥٦ﻫ.

المعتصم بالله والأتراك

وقد كان اصطناع الخليفة المعتصم بالله (٢١٨–٢٢٧ﻫ) للأتراك، يتخذ منهم جندًا يستغني به عن العرب والموالي من خراسان إيذانًا ببدء طَور الضعف وزوال هيبة الخلفاء وذهاب الوحدة للأمة.

وذلك بأنه عندما أحس هؤلاء الجند الأتراك بأنهم عدة الخلفاء وقوتهم، أخذوا في الاستئثار بالسلطان حتى تحكموا في الخلافة وأمورها، بل في الخلفاء وحياتهم، وانتهى الأمر بأن صار الخليفة في منزلة من الهوان لا يملك من أمر نفسه شيئًا.

وهذه المنزلة تظهر للباحث من حالة النظر في بعض كتب التاريخ، مثل: «الطبري» وصلته، و«الكامل» لابن الأثير، و«مروج الذهب» و«التنبيه والإشراف» للمسعودي، و«البداية والنهاية» لابن كثير، و«تاريخ بغداد» للخطيب، و«شذرات الذهب» لابن العماد الحنبلي.

وكان لذلك أثره المحتوم: استقلال كثير من أمراء الأطراف، وظهور عدد غير قليل من الدول في رقعة البلاد العربية الإسلامية؛ مثل الفاطمية بمصر، والحمدانية بالجزيرة، والسامانية فيما وراء النهر، والبويهية، والخوارزمية، والسلجوقية، وذلك كله فضلًا عن الدول التي ظهرت بالمغرب.

هذا، وقد كان مما حدث في مصر والشام في هذا العصر حدثان لهما في هذين البلدين الشقيقين أكبر الخطر من الناحية السياسية والاجتماعية معًا، ولهما في حياة ابن تيمية بصفة خاصة أثر أي أثر، هما: ظهور التتار بالمشرق واستيلاؤهم على بغداد وزحفهم إلى الشام ومصر، والثاني: خروج الفرنج الصليبيين إلى هذين الإقليمين أيضًا.

وينبغي أن نتناول هنا — ولو بإيجاز — هذين الحدثين اللذين عاصرهما الشيخ ابن تيمية، وأخذ كل منهما جانبًا كبيرًا من جهاده الحربي والسياسي، راجعين إلى ابن الأثير، وهو مؤرخ ثقة معاصر، وإلى غيره من المؤرخين المعاصرين له أو الذين جاءوا بعده. يقول ابن الأثير في أحداث سنة ٦١٧ﻫ:

«لقد بُلي الإسلام والمسلمون في هذه المدة بمصائب لم يُبْتَلَ بها أحد من الأمم؛ منها ظهور هؤلاء التتر — قبحهم الله — أقبلوا على المشرق ففعلوا الأفعال التي يستعظمها كل من سمع بها، وستراها مشروحة مفصلة إن شاء الله تعالى.

ومنها، خروج الفرنج — لعنهم الله — من المغرب إلى الشام، وقصدهم ديار مصر، وملكهم ثغر دمياط منها، وأشرفت ديار مصر والشام وغيرها على أن يملكوها، لولا لطف الله تعالى ونصره عليهم.»

اضغط على الرابط لقرائة باقي المقال
⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩

إرسال رد أو تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها