النفس الإنسانية – خلودها

2017-06-04

النفس الإنسانية – خلودها

إذا كانت النفس الإنسانية مستقلة بوجودها وبفعليها الخصوصيين اللذين هما التعقل والإرادة، فمن البديهي أنها لا تفنى بفناء الجسد، ولكنها تبقى متعلقة مريدة مدركة ذاتها بذاتها؛ لأنها في هذه الحال بريئة عن المادة، ومن ثمة معقولة بالفعل، بعكسها في حال اتحادها بالجسد حيث هي غير مدركة ذاتها بذاتها. وتلك هي مسألة الخلود العظيمة الأهمية للأخلاق وللدين. وعلى أهميتها هذه فالفلاسفة كثيرون الذين ينكرون إنكارًا باتٍّا بقاء النفس بعد الموت. أولئك هم أشياع وحدة الوجود، من قدماء الهنود إلى وفقدانها الشعور بذاتها فيه، وأيضًا « الكل المطلق » أيامنا، القائلون بعودة النفس إلى الماديون المنكرون للروح إطلاقًا، أو الحسيون أو الواقعيون أو التجريبيون إن سميناهم من جهة المعرفة، المنكرون لما يعلو على التجربة أو إدراك الحس أو إدراك الواقع؛ أو الظاهريون، إن سميناهم من جهة المعرفة كذلك، المنكرون للجوهر مادة أو روحًا. الخلود

الحق المقصود هاهنا هو البقاء الجوهري الشخصيللنفس، سواءٌ مع تناسخ، تبعًا لرأي البراهمة والفيثاغوريين، أو دون تناسخ. نعود إلى الدليل المشار إليه في أول هذا العدد، وهو دليل ميتافيزيقي، ونضيف إليه دليلًا نفسانيٍّا مأخوذًا من ميل فينا طبيعي أساسي للبقاء دائمًا؛ ودليلًا خلقيٍّا مستفادًا من ضرورة الجزاء التام على أفعالنا الحرة، فنقول: أولًا؛ إن النفس بسيطة غير مركبة من أجزاء يمكن أن ينفصل بعضها من بعض، والنفس الإنسانية روحانية، فينطبق عليها هذا السبب من باب أولى، فإن النفس الحيوانية، بل النفس النباتية بسيطة، ولكنها غير باقية على حيالها، كما قد بيَّنَّا، فليست تكفي البساطة لصيانة الوجود المستقل، على ما اعتقد ديكارت، بل تكفي الروحانية البادية في فعلي التعقل والإرادة، ما دام للنفس أفعال خاصة بها تقوم بها بدون وساطة عضو ما. ونقول: ثانيًا؛ إن في الإنسان ميلًا طبيعيٍّا أساسيٍّا للبقاء إلى غير انتهاء، والميل الطبيعي الأساسييرجع إلى طبيعة الكائن، وإذن فطبيعة الإنسان أن يظل حيٍّا دائمًا. إن كل حاصل على العقل يشتهي بالطبع أن يوجد دائمًا، ويحس أن هذا الاشتهاء لا يمكن أن يكون عبثًا. هذا الميل نعرفه في أنفسنا وفي سائر الناس في جميع العصور: علاماته الرغبة في تأييد أفراحنا وأعمالنا واسمنا، والنفور من الموت، ذلك النفور الذي هو صورة أخرى للميل للبقاء، والدال عليه تكريم الموتى عند الشعوب قاطبة، والعناية بدفنهم، وتزويدهم بالمأكل والمشرب. ولا نقولنَّ: إن فكرة الخلود آتية من عدم كفاية خيرات العالم لإشباع شهوتنا، فإن النفس — لكونها تحس أنها خالدة — لا ترضى بخيرات العالم، وتطمح إلى خيرات لا تزول. ثم يمكن دعم هذا الدليل، أو إعطاؤه قيمة ميتافيزيقية، باعتبار أنَّ الكائن العاقل الذي يدرك الوجود مطلقًا، لا معينًا محدودًا زمانًا ومكانًا كإدراك الحس، ينزع بطبعه إلى الوجود الدائم، ولا يجوز أن يذهب النزوع الطبيعي سدى. بل إن هذا النزوع الطبيعي يظهر أيضًا في غير فكرة مطلق الوجود، أعني في فكرات الواحد والحق والخير والتجميل، أو لواحق الوجود، تلك الفكرات التي تبدو لنا كلية ضرورية، أزلية أبدية كالوجود نفسه. ونقول ثالثًا: لكي يكون الواجب الخلقي مفهومًا وفعالًا، يجب أن يكون الإنسان خالدًا حقٍّا، وإلا لم يوجد في الحياة الأرضية جزاء كافٍ على الأفعال الخلقية، لا من جهة الطبيعة، فإنها غير خلقية، غير مميزة بين الأفعال، غير مقدرة للجزاءات؛ ولا من جهة المجتمع، فهو لا يتناول سوى الأفعال الظاهرة، وهو مبني على الخداع؛ ولا من جهة

الضمير، فإنه لا يحكم على نفسه، بل يحاول جهده التنصل من التبعة والتملص من العاقبة. ومن هذه الأوجه الثلاثة ما أكثر ما يشقى الصالح وينعم الطالح! فلا بد من حياة أخرى تتحقق فيها العدالة التامة ويسود النظام، وتكون هي رادعًا قويٍّا. هل يجوز القول: إن لله قد يعدم الأنفس بعد أن يمنحها هذه العدالة الكفاية من الثواب والعقاب؟ الحقيقة أننا نطمح إلى السعادة الكاملة كما رأينا، وأن لا نهاية مدتها عنصر جوهري فيها، وأن تناهي المدة منغص للسعادة، وأن لله هو الذي أودع النفس ذلك الميل إلى السعادة الكاملة، فكيف يحدها ويلاشيها؟ لئن كانت القدرة الإلهية غير المتناهية مستطيعة من هذا الوجه إعدام أي مخلوق، إلا أن القدرة المضبوطة بالحكمة والطيبة لا تسلب الموجودات ما فطرتها عليه، ولله هو الذي خلق النفس الإنسانية روحية غير فاسدة. ماذا يصير بنفس الإنسان في الخلود؟ يجب الاعتراف أولًا بأن المفارقة حال قسرية؛ لأن طبيعة الإنسان أنه نفس وجسد معًا؛ فالمعقول أن يعد الموت حادثًا قسريٍّا، ويعد جمع جميع أجزاء » البعثضروريٍّا لإعادة الإنسان إلى طبيعته. فإن قيل: إن من المحال إيجاد » قلنا: إن استئناف خلق هذه الأجزاء « الإنسان التي كانت موجودة في جميع عمره لمثل ما كان لا لعين ما كان 7 لا سيما ونحن نعلم أن مادة الجسد تتجدد مرات خلال العمر، ويظل الشخصهو هو بنفسه. بيد أن هذا النزوع، وإن اعتبرناه طبيعيٍّا، لا يصلح دليلًا على البعث، لاستحالة البعث على قوة الطبيعة، أي لاستحالة عودة الجسد عودة طبيعية إلى التركيب والتنسيق؛ والبعث معلوم لنا بالوحي، ومنوط بإرادة لله وقدرته. وكل ما يصلح له هذا النزوع هو التدليل على أن البعث لا ينافي طبيعة النفس، بل على العكس يلائمها. كذلك لا فائدة ترجى عقلية أو خلقية، من النظرية المعروفة بالتقمص أو التناسخ، والمراد بها انتقال النفس الناطقة من بدن إلى آخر، أو إلى بدن حيواني أو نباتي، على ما هو مأثور عن الهنود والفيثاغوريين وأفلاطون 8 بحجة التطهير من أدران الشر، فليس من دليل على أن المعاصي المرتكبة في هذه الحياة يجب أن يكفر عنها في هذه الحياة؛ وليس من شهادة للوجدان بأننا قد مررنا بحيوات سابقة؛ ولاضرورة لما يستشهدون به من أن تفاوت بني الإنسان في الصفات الفطرية ليس صنع لله الكلي العدالة، فهو نتيجة حسن استعمال الأنفس للحرية، أو سوء استعمالها إيَّاها من قبل، فإن لهذا التفاوت تفسيرًا آخر هو الذي عرضناه حين قلنا: إن النفس تتشخصباتحادها بالبدن وأعراضه.

فإن البدن يتفاوت استعداده، فتتفاوت صفات النفوس. والمذهبان (البعث والتناسخ) استعمال النفس بعد خلاصها من البدن بتدبير بدن » يرجعان إلى واحد، ففي كل منهما 9 بل البعث خير من التناسخ، إذ إنه لا يقلب الإنسان حيوانًا أو نباتًا، بل يحفظ « آخر عليه طبيعته. يبقى أن النفس الناطقة يعود إليها الجسد استكمالًا للطبيعة الإنسانية، وأنها تستأنف حياتها العقلية، ولو أن إشكالًا يعترضنا هاهنا، ويبدو أسهل حلٍّا في المذهب الأفلاطوني الذي طالما نقدناه، منه في المذهب الأرسطوطالي الذي كثيرًا ما ناصرناه: ذلك أنه من المقررات الأساسية عند أرسطو أن النفس لا تتعقل شيئًا دون ملاحظة صورة خيالية مصاحبة للتعقل؛ أعني دون مشاركة ما من العضو الحاس الذي كانت الصور الخيالية محفوظة فيه، وليس للنفس المفارقة مثل هذه الملاحظة لزوال ذلك العضو، فالنفس لا تقدر أن تتعقل شيئًا في حال المفارقة، وهذا نقص خطير، على حين أنها في المذهب الأفلاطوني جوهر روحي بالذات، قد تحرر من الجسد وعاد إلى طبيعته المفارقة، وإلى تعقل المجردات بذاته. لكن يمكن أن يقال من جهة أساسية: إن النفس تقدر أن تزاول التعقل بالمعاني المستفادة في الحياة الراهنة والمختزنة فيها، أي أن تتذكرها وتؤلفها بعضها مع بعض. ويمكن أن يقال من جهة فرعية مع اللاهوتيين: إن النفس تعقل على نحوٍ ما بمعان تقبلها من لدن لله، كما تقبل الملائكة المعاني المفاضة عليها.


إرسال رد أو تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها