الوراثة – الأرستقراطية

2016-09-25

 الوراثة – الأرستقراطية

إن الأرستقراطيين هم نخبة بالوراثة؛ فهم يرِثون امتيازهم عبر الأجيال، ويرثون الدماء النبيلة من أجدادهم. عادةً ما تظهر مصطلحات — مثل السلالة والأصل وحتى العِرق — في المناقشات النظرية التي تدور حول طبيعة طبقة النبلاء في العصر الحالي أو في الماضي. لم تكن النَّبالة الشخصية أمرًا مجهولًا؛ فقد ظهر في لائحة رُتب موظفي الدولة التي ظهرت في روسيا على يد بطرس الأكبر عام ١٧٢٢م، أو في الترتيب الهرمي للألقاب المماثل، إلى حدٍّ ما، لذلك الذي وضعه نابليون في إمبراطوريته عام ١٨٠٨م. إلا أن هذين الابتكارين قد انتشرا نتيجة الافتراض بأن التميز الوراثي ما زال النموذج الأمثل المرغوب فيه أكثر من غيره، وكان منح رتبة النبالة بصفة شخصية مجرد محطة وسيطة على الطريق نحو الوراثة الكاملة،

لقب نبالة

كما كان الحال في فرنسا في الفترة السابقة على الثورة؛ حيث كانت معظم المناصب التي تخوِّل الحصول على لقب نبالة تقتضي الاشتغال بها لثلاثة أجيال متعاقبة من أجل منح لقب نبالة يمكن توريثه. كان نظام النبالة مدى الحياة، الذي ظهر في بريطانيا العظمى منذ عام ١٩٥٨م، في فترة اضمحلال مجلس اللوردات، الوحيد الذي لم يحمل أي افتراض قطُّ يتعلَّق بالتوريث. ثم أَدخل قانون عام ١٩٦٣م مبدأً آخرَ جديدًا يتمثَّل في أن النبلاء بالوراثة باستطاعتهم الآن التخلي عن ألقابهم. بطبيعة الحال، نظرًا لأن النبالة كانت صفة تورَّث جينيًّا، فلم يكُن من الممكن التنازل عنها؛ فكان لأولاد النبلاء الحق في الحصول على مكانة وَالِدِهم، شريطة أن يكونوا أطفالًا شرعيين. وقد كان الملوك في أغلب الأحيان يَمنحون هذه المكانة لأطفالهم غير الشرعيين، لكن لم يَزِدْ قدرُ ما يتمتع به هؤلاء النبلاءُ غير الشرعيين من حقوق في الميراث من جهة والدهم عما يتمتع به الأبناءُ غير الشرعيين من عامة الشعب، رغم أن النبلاء كانوا دومًا في مكانة تسمح لهم بطلب إعفاءات خاصة.

مع هذا في ظروف معينة يمكن فقدان النبالة؛ فقد يفقد الرجل النبيل الذي يُدان بالخيانةِ رُتبتَه أو على الأقل الممتلكات التي تدعم امتلاكه لها. وكان الأكثر شيوعًا احتمال فقدان هذه المكانة في حال مشاركة حاملها في أنشطة تُعتبر متعارِضة مع النبالة؛ ففي فرنسا، كان يُعرف هذا باسم الانتقاص من القدر، وكان يَحدث إذا مارس الرجل النبيل عملًا يدويًّا أو تجارة التجزئة. فقد كان الشعار المطبَّق أن اليد التي تحمل السيف لا يمكنها أن تمسك أيضًا بالنقود، أو كما جاء في أطروحة ظهرت في أوائل القرن السابع عشر: «إنه مكسب حقير ودنيء ينتقص من نبالة المرء. إن نمط الحياة المناسب هو أن يحيا المنتمي لطبقة النبلاء اعتمادًا على ما يحصل عليه من إيجارات، أو على الأقل ألا يبيع مجهوده أو عمله.» نادرًا ما كانت تُنْتهك القوانين التي تقدِّس هذا المبدأ؛ فقد كانت تدعمها تحيُّزات قوية ضد الوظائف المهينة استمرت لفترة طويلة بعد انتهاء الحظر الرسمي في أواخر القرن الثامن عشر.

رغم أن التوريث كان أمرًا محوريًّا في النموذج الأرستقراطي، فإنه كان يتخذ أشكالًا عديدة متنوِّعة من حيث التطبيق. في أغلب الأحيان كان التوريث يحدث من جانب الأب؛ فتنتقل النبالة من جهة الذكور وليس الإناث. مرة أخرى ربما تحصل العائلات ذات الشأن على إعفاءات خاصة، لكن بينما يولد أبناءُ الرجلِ النبيلِ المتزوِّجِ من امرأةٍ غيرِ نبيلةٍ نبلاءَ، فإن أبناء المرأة النبيلة التي تتزوَّج برجل من العامة يرثون مكانة الأب. وفي معظم الحالات يحمل جميع الأبناء الشرعيين للأب النبيل هذه المكانة بالتساوي عند ميلادهم. ظهرت أشهَر الاستثناءات في ممالك بريطانيا العظمى الثلاث؛ حيث لا ينتمي إلى مكانة النبلاء إلا نبلاء الأصل، ولا يرث المكانة إلا الابن الأكبر، أو الأخ الأصغر في حالة وفاة صاحب المكانة دون إنجاب أبناء («الوريث وبديله»). قانونًا، يصبح جميع الأبناء الآخرين ضمن عامة الشعب، ولا يرثون شيئًا إلا الحق في ارتداء شعار النبالة الخاص بالعائلة. مع هذا في الحياة الواقعية كانت الطبقات الأرستقراطية البريطانية دائمًا لا تقتصر على النبلاء فحسب؛

رتبة البارونيت

فقد كانت رتبة البارونيت — وهي طبقة من الأعيان تتوافر بأعداد أكبر ويتمتع أصحابها بنبالة المولد، ويمكن انتقال ألقابها من جيل إلى جيل بنفس شروط رتبة النبلاء — دومًا المكافئ الواضح لنبلاء القارة الأوروبية الأقل مكانةً. في جولته الكبرى في أوروبا عام ١٧٦٤م، قال جيمس بوزويل الذي اشتهر فيما بعد بأنه كاتب سيرة صمويل جونسون لكنه في هذا الوقت لم يكن إلا مجرد ابن قاضٍ ومالك أراضٍ اسكتلندي: «أعتقد أنَّ من المناسب أن أحصل على لقب بارون في ألمانيا؛ نظرًا لأن لديَّ الحق في الحصول عليه تمامًا كأي فرد في طبقة الأعيان أراه من حولي.» مع هذا كان نظام البكورة البريطاني يدفع بعنادٍ الإخوةَ الأصغرَ سنًّا خارج النخبة الأرستقراطية على جميع المستويات؛ مما دفعهم للتنافس — وهو ما لم يَحْتَجْ إلى فعله أبناء النبلاء في القارة الأوروبية — من أجل الحفاظ على المجد الذي حظي به أجدادهم المشهورون. لكن كان الأمل الوحيد أمامهم من أجل استعادة مكانة أجدادهم هو أن يبدءوا في تأسيس سلالة جديدة. وربما يكون المثال الأبرز على هذا دوق ولينجتون — وهو الابن الأصغر لإيرل — الذي حصل على رتبة نبيل بنفسه فقط عن طريق أفعاله النبيلة في أرض المعركة.

يكفي وجود سَلَفٍ ذَكَرٍ واحد من أجل تأسيس سلالة نبيلة، ولا يمكن القضاء عليها إلا من خلال وفاة ذريته من الذكور المباشرين كلهم. مع هذا لا تكون جميع السلالات أصيلة؛ فتتمتع العائلات التي كان أول سَلَفٍ معروف لها يحظى بمكانة النبيل، بنبالة بالغة القدم، عفا عليها الزمن. تبدأ جميع السلالات الأخرى — لكن من وقت بعيد — بشخص لم يولد نبيلًا، بل حصل على هذه المكانة في فترة حياته؛ وعليه، فإن رفعة مكانة السلالة تعكس امتداد نسبها وعدد الأجيال النبيلة فيها. وأحد المعايير الأخرى الأساسية في ألمانيا، رغم أنه مستحَب فقط في الأماكن الأخرى، هو عدد الأسلاف النبلاء من جهة الأم تمامًا مثل جهة الأب. من الخارج قد تبدو الطبقات الأرستقراطية متسقة وموحَّدة في تفرُّدها، لكن لا توجد أي مساواة في ترتيباتها الداخلية.

اضغط على الرابط لقرائة باقي المقال
⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩

إرسال رد أو تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها