بلال بن رباح وروايات الآذان

2017-05-23

بلال بن رباح وروايات الآذان

ابن سعد

ومن جملة الروايات التي جاءت في طبقات ابن سعد وغيرها يُفهم أنهم كانوا قبل أن يؤمر بالأذان ينادي منادي النبي عليه السلام: الصلاة جامعة! فيجتمع الناس … فلما صرفت القبلة إلى الكعبة تذكر المسلمون الأمر فذكر بعضهم البوق وذكر بعضهم الناقوس وذكر بعضهم نارًا توقد كنار القرى، ثم تفرقوا على غير رأي، ومنهم عبد الله بن زيد الخزرجي … فلما دخل على أهله فقالوا: ألا نعشيك؟ قال: لا أذوق طعامًا. فإني قد رأيت رسول الله قد أهمه أمر الصلاة، ونام فرأى أن رجلًا مرَّ وعليه ثوبان أخضران وفي يده ناقوس. فسأله: أتبيع الناقوس؟ فقال: ماذا تريد به؟ قال: أريد أن أبتاعه لكي أضرب به للصلاة لجماعة الناس. فأجابه الرجل: بل أحدثك بخير لكم من ذلك. تقول: الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمدًا رسول الله. حي على الصلاة حي على الفلاح. الله أكبر. الله أكبر. لا إله إلا الله. ونادى الرجل بذلك النداء وهو قائم على سقف المسجد، ثم قعد قعدةً ثم نهض فأقام الصلاة.

فلما استيقظ عبد الله بن زيد من منامه ذهب إلى النبي عليه السلام فقص عليه ما رأى، فقال له: قم مع بلال فألق عليه ما قيل لك، وجاء الفاروق بعد ذلك فقص على النبي منامًا يشبه ذلك المنام.

وجرى الأمر في الدعوة إلى الصلاة منذ ذلك اليوم على الأذان كما نسمعه الآن، وزاد بلال في أذان الصبح «الصلاة خير من النوم» فأقرها النبي عليه السلام، وبقي النداء في الناس بالصلاة الجامعة للأمر يحدث فيحضرون له يخبرون به مثل فتح يقرأ، أو دعوة يدعون إليها، وإن كان في غير وقت الصلاة.

ولا اختلاف في صيغة الأذان بين الطوائف الإسلامية جمعاء … إلا أن الشيعة يضيفون إليه، «حي على خير العمل» مع حي على الصلاة وحي على الفلاح. ويردد المالكية التكبير مرتين بدلًا من أربع مرات.

ولا اختلاف كذلك في جواز التلحين والترجيع في الأذان ما لم يخلَّ بنطق الكلمات ومخارج الحروف. إلا أن الحنابلة يعلنون الأذان بغير تلحين، ويتصرف الأحناف في بعض الترجيعات.

وقد ندب بلال بن رباح للأذان من لحظته الأولى، فلم يسمع لأحد أذانٌ قبله ولم يسبقه إلى ذلك سابق في تاريخ الإسلام، وهو شرف عظيم؛ لأن محمد بن عبد الله كان إمام المسجد الذي كان مؤذنه بلال بن رباح.

ومن المتفق عليه في أقوال الصحابة أن بلالًا كان محبب الصوت إلى أسماع المسلمين، وأنهم كانوا يقرنون دعوته بصلاة النبي

بهم فيزيدهم هذا خشوعًا — لسماع صوته — فوق خشوع.

أنباء فتح مكة

على أننا نقرأ في أنباء فتح مكة أن رهطًا من المشركين كانوا ينكرون نداءه ويتساءلون: أما وجد محمد غير هذا العبد ينهق على ظهر الكعبة؟! وكانوا يستكبرون من رجل كائنًا من كان أن يعلو ظهر البيت الذي لم يصعد إليه أحد في الجاهلية. فهالهم أن يروا «عبدًا» يصعد إليه ويجهر بذلك النداء.

قال بعضهم للحارث بن هشام: ألا ترى إلى هذا العبد أين صعد؟ فلجأ الرجل إلى حكمة المضطر وقال: «دعه، فإن يكن الله يكرهه فسيغيِّره.»

وكان الحارث بن هشام وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد جلوسًا بفناء الكعبة يوم أمر النبي بلالًا أن يصعد إلى ظهر الكعبة فيقيم الأذان.

قال عتَّاب: لقد أكرم الله أسيدًا ألا يكون سمع هذا فيسمع منه ما يغيظه، وقال الحارث بن هشام: أما والله لو أعلم أنه محق لاتبعته، وأنكر أبو سفيان ما سمع، أو قيل في بعض الروايات: إنه جمجم قائلًا: «لا أقول شيئًا، ولو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصا.»

وقبل أن نحيل هذا الإنكار إلى شيء يؤخذ مأخذ النقد ينبغي أن نذكر أن ذلك الوصف جاء من المشركين الذين كانوا خلقاء أن ينكروا أول أذان يرتفع في سماء مكة ولو ترنمت به الملائكة وتجاوبت به سواجع الأطيار، وأنهم سمعوه زعيقًا و«نهيقًا» كما قالوا؛ لأنهم سمعوا شيئًا لا يطيقونه ولا يستريحون إليه. وكانت بهم عنجهية السادة في النظر إلى العبيد، وكان لبلال عندهم وتر معروف بمن قتل من سادات مكة في غزواته مع النبي عليه السلام.

فإذا رددنا إعجاب المسلمين بصوت المؤذن الأول إلى الخشوع ثم إلى ذكرى النبي الحبيب، ورددنا كره المشركين إياه إلى النفرة ثم إلى العنجهية والعداء. فقد بقي شيء واحد يتفق عليه هؤلاء وهؤلاء وهو جهارة الصوت وابتعاد مداه في أجواز الفضاء، ولا حاجة بنا إلى العناء في الموازنة بين خشوع المسلمين وعداء المشركين لنقول: إن اختيار النبي إياه يدعوه ويدعو المسلمين دعوة عامة يسمعها كل يوم خمس مرات — هو الشهادة لصوت المؤذن الأول بالسلامة من النفرة والنشوز المعيب. فما عهد محمد عليه السلام خاصة إلا أنه كان يحمد المنظر الحسن. وكان ينكر كل نكير ويستريح إلى كل جميل.

اضغط على الرابط لقرائة باقي المقال
⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩

إرسال رد أو تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها