بماذا يُستعاض عن الآلة الحكومية إذا تحطمت؟

2017-07-21

 بماذا يُستعاض عن الآلة الحكومية إذا تحطمت؟

بماذا يُستعاض عن الآلة الحكومية إذا تحطمت؟

إن ماركس لم يُجِب على هذا السؤال في المنشور المشاعي الذي أصدره في عام ١٨٤٧ إجابة شافية، وبمعنى أتم أنه لم يفعل شيئًا في هذا الصدد سوى عرض هذه المسألة بدون تعيين الوسائل التي يمكن حلها بموجبها، فكان جوابه على السؤال المتقدم مقصورًا على قوله بالاستعاضة عن الآلة الحكومية «تنظيم الهيئة العاملة في شكل طبقة متولية» و«بالفتوح الديمقراطي»، وهذان جوابان حائران مبهمان.

على أن ماركس لم يفته أن الإجابة على ذلك السؤال بهذين التعبيرين غير مجدٍ ولا عملي، ولكنه لم يشأ أن يتعرض للإجابة العلمية بغير الاعتماد على التجربة العملية، ليتفادى الخطأ الذي قد يقع فيه إذا اعتمد على رأيه بدون الارتكان في وضع الحل المطلوب على الاختبار الذي لا بد للحصول عليه من انتظار تصاريف الأيام، ليستخلص منها ما يصح أن يكون قاعدة محكمة للحل المنشود، ولهذا ذكر ذلك الرأي مطلقًا في المنشور المشاعي، لا ليتخذ قاعدة عملية نهائية بل ليكون فكرة مبدئية لدى هيئة العمال يستأنسون بها في الثورة العامية المنتظرة، وترك لهم بعد ذلك حرية تطبيق العمل تفصيليًّا بحسب مقتضيات الأحوال.

ثم إن ماركس اهتم بهذه المسألة اهتمامًا عظيمًا في كتابه الحرب الأهلية — ترجم إلى الفرنسوية بعنوان المشاعية في باريس — وحللها تحليلًا دقيقًا مستندًا على التجربة المستخلصة من الحركة المشاعية، ولو أنها كانت تجربة ضعيفة الجوانب بالنظر لإخفاق تلك الحركة قبل أن تخطو خطوات يمكن الاعتداد بها والاعتماد عليها في تقرير ما يُراد من الحل، على أننا لا يسعنا إلا أن نورد هنا أهم النقط الواردة في ذلك المؤلف.

لقد انتقلت من الأعصر الوسطى إلى القرن التاسع عشر، وأخذت تعظم فيه «سلطة الحكومة المركزية بأعضائها التي لا غنى لها عنها وهي: الجيش الدائم، والبوليس، والهيئة الديوانية، والكنيسة، والقضاء»، وبفضل اتساع دائرة التنازع والتخاصم ما بين الطبقات؛ أي ما بين رأس المال والعمل، أخذت «سلطة الحكومة تزداد تشكلًا على التوالي في هيئة السلطة العامة المختصة باستخدام العمل وصبغه بصبغة آلة تعمل لتحقيق سيادة طبقة مخصوصة على سائر الطبقات الأخرى، وبعد كل خطوة تتقدمها الثورة إلى الأمام في كل مرة يشب لهيبها، كانت السلطة الحكومية تزداد تقويًا وضغطًا وتحكمًا».

وبعد ثورة ١٨٤٨-١٨٤٩ صارت «سلطة الحكومة الآلة الوطنية التي يستخدمها رأس المال ضد العمل»، وما كان للإمبراطورية الثانية من عمل سوى تقوية وتمكين هذه الآلة.

إن المشاعية هي نقيض الإمبراطورية، وقد تشكلت الإمبراطورية في بادئ الأمر بشكل جمهورية لا لتتوصل فقط إلى استئصال ملكية الطبقة المالكة، بل لتسود على هذه الطبقة المالكة نفسها.

ومن أي شيء يتكون هذا الشكل المعين لجمهورية العمال الاشتراكية؟ وأي نوع من أنواع الحكومات بدأت في إيجاده؟

«إن المشاعية بدأت أعمالها بإصدار أمر بإبطال الجيش الدائم، مستعيضة عنه بالشعب المسلح.»

وهذه الضرورة القصوى أو المقصد الجوهري قد أصبح اليوم جزءًا غير متجزئ من برنامج سائر الأحزاب المسماة باسم الاشتراكية.

ولكن الحقيقة أسفرت عن عدم تحقيق هذا المطلب الأساسي عندما أفلحت الثورة الروسية الأخيرة، فإن أحزابنا الاشتراكية الثورية والمنشفية أبت بعد حركة مارس ١٩١٧ تنفيذ هذا المبدأ القويم.

ولقد تألفت الهيئة المشاعية من مستشارين بلديين منتخبين بواسطة التصويت العام في سائر أقسام باريس، وكانوا مسئولين عن آرائهم وأعمالهم وقابلين للعزل في سائر الأوقات، وكانت الأغلبية بحكم الطبيعة مؤلفة من عمال ومن ممثلين معترف بهم من طبقة العمال.

«وكذلك رجال البوليس الذين كانوا إلى ذلك الحين آلة السلطة الحكومية، صار تجريدهم على الأثر من كل أعمالهم السياسية، وتحويلهم إلى عضو مسئول أمام المشاعية، وأصبح كل فرد منهم عرضة للعزل في سائر الأوقات.

وعلى هذا النمط أصبح مركز الموظفين الآخرين في جميع فروع الإدارة مرتبطًا بسلوكهم، وأصبح سائر الموظفين من أكبرهم إلى أصغرهم لا يتقاضون في الخدمة العامة أجورًا أكثر من أجور العمال الاعتياديين، واختفت كل امتيازات الموظفين، وكل العلاوات أو النفقات الخصوصية أو المكافآت التي كانت تُعطى لكبار الموظفين أو للنواب، ولم يبقَ لها ولا لمن كانوا يتقاضونها من أثر، وإذ لم تبقَ حاجة إلى حفظ النظام في الداخل ولا إلى المحافظة على المستعمرات في الخارج فلم يعد هنالك موجب لبقاء البوليس والجيش الدائم، وعلى أثر اختفاء هاتين الآلتين اللتين كانت تعتمد عليهما السلطة المادية في الحكومة المنقرضة عمدت المشاعية حالًا إلى القيام بواجب تحطيم آلة الاستعباد الأدبي وهي قوة الكهنوت.

وفقد القضاة استقلالهم الظاهري؛ إذ صار من الواجب انتخابهم بطريقة التصويت العام وأصبحوا مسئولين وعرضة للعزل من مراكزهم.»

وهكذا اكتفت المشاعية بالاستعاضة عن الآلة الحكومية المحطمة بديمقراطية على أتم ما يكون، فمن إلغاء الجيش الدائم إلى انتخاب كافة الموظفين وجعلهم تحت طائلة العزل، وفي الواقع أن هذا الأمر يؤدي إلى عمل هائل يرمي إلى استبدال بعض القواعد المتبعة بقواعد أخرى ذات نظام أساسي مبتكر مخالف للنظام السابق، وهذا هو الذي يعبَّر عنه بالتحقيق «بتحول المقدار إلى الصفة»، فالديمقراطية قد تحققت في أجلى مظهر وأحكم نظام كان من المستطاع الحلم به، وغدت بهذه الطريقة الطبقة العاملة السرية، والحكومة التي كانت القوة المختصة بالضغط والإرهاق الموجهين إلى إحدى الطبقات تحولت إلى شيء آخر ليس هو الحكومة بعينها.

وعلى ذلك فإن سحق الفئة السرية ومقاومتها العنيفة لم تبقَ لهما أدنى حاجة، في حين أن سحقهما كان من أعظم الأمور الجوهرية اللازمة للمشاعية؛ ولذا فقد كان أحد أسباب فشل المشاعية وهزيمتها عدم البت في هذا الصدد بطريقة حاسمة، فالتطور الذي حدث ظل مقصورًا في جوهره على انتقال الضغط من جانب إلى آخر، فبعد أن كان واقعًا من القسم الأصغر على القسم الأكبر من الشعب أضحى السواد الأعظم منه ذا السلطة المضطهدة على الجانب الأقل، وكذلك كان الأمر دائمًا في عهد الاسترقاق ثم في عهد الاستخدام وأخيرًا في عهد الاستئجار، ومن الواضح أنه عندما يكون السواد الأعظم من الشعب هو الذي يضغط على مضطهديه السابقين من الشعب نفسه فلا حاجة له البتة إلى إيجاد قوة خاصة للضغط، وبمقتضى هذا النسق بدأت الحكومة تتلاشى من تلقاء نفسها، فبدلًا من الأنظمة الخصوصية التي كانت توجدها أقلية ممتازة «وهي الموظفون الممتازون ورؤساء الجيش الدائم» أصبحت الأغلبية نفسها قادرة على أن تؤدي أعمال هذه الوظائف، وكلما ازداد الشعب تأدية لوظائف السلطة الحكومية بمحض إرادته كلما قل الشعور بالحاجة إلى هذه السلطة.

وقد اتخذت المشاعية إحدى الطرق العملية المؤدية إلى تحقيق ذلك الغرض النظري، واهتم بهذه الطريقة العملية ماركس، وهي في الحقيقة جديرة بالعناية والاهتمام، وهذه الطريقة هي: إبطال كل نفقات النيابة «أي نواب الجهات»، وإبطال الامتيازات النقدية التي يتمتع بها الموظفون، وخفض كل المرتبات الإدارية إلى مستوى «مرتب العامل البسيط»، فهنا حدث الشعور القوي بتحول الديمقراطية السرية إلى ديمقراطية عاملية، وانتقال ديمقراطية المضطهدين إلى ديمقراطية الواقع عليهم الاضطهاد، وتخطي الحكم من قوة خاصة بالضغط من جانب إحدى الطبقات إلى سحق الضاغطين بواسطة القوى المنظمة بمعرفة أغلبية الشعب المؤلفة من العمال والفلاحين، ومما لا شك فيه أن الدروس التي يلقيها ماركس بخصوص هذه المسألة العملية التي استمد حلها من عبر التاريخ وتجاربه على هيئة العمال العامة، وهي الدروس القيمة المختصة بأهم مسألة اجتماعية تدعو إلى راحة وسلام المجتمع العام هي التي أهملت أو صار تناسيها بنوع خاص بالنظر لفصلها بطريقة محسوسة معقولة، لا يمكن النزاع فيها في موضوع الحكومة التي كثرت واختلفت في أشكالها الأقوال، واحتدم حول وجودها وفنائها الجدال!

وفي الشروح والتأويلات المنتشرة بين سائر هيئات العمال، والتي لا يُحصى عددها لا توجد كلمة واحدة تحوم حول هذه النقطة الجوهرية الهامة! ولقد أصبح من المعتاد السكون على هذه المسألة كأنها فكرة ساذجة يجب إغفالها، وكان المثل المتبع في هذا الصدد مثل المسيحيين الذين أصبحت عقيدتهم دين الحكومة الرسمي، فإنهم غَدوا شديدي التمسك بذلك الدين غير أنهم تجاوزوا عن بعض أصوله التي اعتبروها في منتهى السذاجة، وما هي كذلك، بل هي من تعاليمه الأولية، فتركوا بإهمالها والاستخفاف بها أهم ما في ذلك الدين وهو روح الديمقراطية الثورية.

ويظهر أن خفض مرتبات كبار الموظفين هو الأمنية الوحيدة البسيطة للديمقراطية الساذجة الابتدائية، ولقد اعتاد أحد مؤسسي مذهب انتهاز الفرص، وهو الاشتراكي الديمقراطي القديم أذبرنستاين على أن يكرر المرة بعد المرة تلك السخائف المضحكة التي تلوكها ألسنة السراة ضد الديمقراطية الأولية، وهو في هذا الصدد مثل سائر الانتهازيين والكاوتسكيين المنتشرين بكثرة في أيامنا هذه؛ لم يشأ أن يفهم مطلقًا أن الانتقال من رأس المالية إلى الاشتراكية البحتة مستحيل الحدوث إلا بعد عودة قصيرة إلى المبدأ الاشتراكي الأولي، وإلا فكيف يتيسر إدارة وظائف الحكومة بالسواد الأعظم من الشعب أولًا ثم بعامة الشعب فيما بعد؟

وفضلًا عن ذلك فإنه لم يرَ أن الديمقراطية الأولية القائمة على قاعدة رأس المالية، والمدنية رأس المالية هي شيء آخر خلاف الديمقراطية الأولية المستمدة أصولها من العصور القديمة المتقدمة على عهد ابتداع رأس المالية، إن المدنية رأس المالية قد أوجدت الإنتاج العظيم، فمن مصانع إلى سكك حديدية إلى بريد فتليفون إلى أمثال هذه الأشياء من وسائل الحضارة رأس المالية، وقد غاب عن الأفكار أن هذه الوسائل التي يسرت أسباب الراحة في الحياة إذا اتخذت قاعدة للنظر في شئون الوظائف التي لا تزال سائرة على نظام الحكومة العتيقة لوجدانها جعلت مباشرة أعمال الحكومة سهلة جدًّا لا تتخطى الأعمال الكتابية والحسابية والمراقبة، وهذه كلها أعمال من الميسور على كل فرد من الأهالي ملم بالقراءة والكتابة أن يؤديها مقابل أجر بسيط يعادل أجر أي عامل عادي، وعلى ذلك يمكن بل يجب اختفاء آثار المميزات والدرجات والرتب والألقاب.

إن طريقة التعيين في الوظائف بواسطة الانتخاب العام، وتعرض الموظفين لخطر العزل في كل آونة — بمعنى أنهم كلما انتهت مدة انتخابهم للوظائف يصير انتخاب غيرهم حتى لا تكون الوظائف محتكرة — بغير استثناء، وخفض المرتبات إلى درجة أجر العامل العادي ليست سوى وسيلة ديمقراطية سهلة تسير من تلقاء نفسها متضامنة مع مصالح العمال ومصالح الغالبية وهي طبقة الفلاحين، كما أنها تؤدي في الوقت نفسه بواسطة اتصال ما بين رأس المال والاشتراكية، وهذه الطريقة التي تتراءى بمظهرها الجميل إنما هي مختصة بالإصلاح الحكومي، وهي طريقة سياسية بحتة مؤدية حدوث تطور ظاهري في المجتمع، ولكنه لا يمكن أن يكون مفيدًا ونافذًا المفعول إلا إذا كان مصحوبًا بانتزاع الملكية من منتزعي الأملاك بواسطة التمهيد أو التنفيذ؛ أي بانتقال الملكية الخاصة برأس المالية بواسطة الإنتاج الداخل الآيل إلى حوزة الجمهور.
ثم كتب ماركس:

إن المشاعية حققت الأمنية التي كانت تحوم حولها، وتعمل لأجلها سائر ثورات الأعيان، وهي الحكومة ذات الأجر البخس بإبطالها أعظم مصدرين للإنفاق وهما: الجيش الدائم واستخدام الموظفين.

ويوجد ما بين الفلاحين وما بين الأوساط الأخرى من الطبقة الوسطى أقلية صغرى فقط ليست لها جامعة مخصوصة، ولا هي تمثل أية فئة من الفئات توصلت إلى معنى الإثراء والوجاهة؛ أي إنها صارت رغدة العيش، مرتاحة البال، حائزة لكثير من متارف التنعم على نسق الأعيان، إما بواسطة أعمالها الحرة، وإما بواسطة الوظائف التي استأثرت بها، واطمأنت على البقاء فيها وأحرزت كل امتيازاتها، أما السواد الأعظم من طبقة الفلاحين في أية بلد من البلاد الحافلة برأس الماليين، والتي توجد فيها طبقة من الفلاحين، وهي في أغلب هذه البلاد تكون أغلبية الأهالي، فإنهم مضطهدون من قبل الحكومة ويتمنون من صميم أفئدتهم أن يتمكنوا من قلبها، كما أنهم يتمنون أن يحصلوا على حكومة رخيصة.

وهذا المشروع لا يستطيع أن يخرجه من دائرة الرغبة إلى حيز العمل سوى هيئة العمال، وهي بتحقيقها هذه الأمنية تتقدم خطوة نحو تحويل الحكومة الحاضرة إلى الاشتراكية.


إرسال رد أو تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها