تقليد التحف الصينية

2017-08-03

تقليد التحف الصينية

أقبل الفنانون في الشرق الإسلامي على تقليد التحف الصينية، وأصابوا في بعض الأحيان نجاحًا يتفاوت مداه، ولا ريب في أن بدء هذا التقليد يرجع إلى فجر الإسلام، وقد ظل قائمًا حتى القرن الثاني عشر الهجري ( ١٨ م). ففي سامرا ( ٣ه/ ٩م) عرف الخزفيون المسلمون مزايا الخزف الصيني، وعملوا على إنتاج خزفيشبهه؛ كما تشهد بذلك القطع الخزفية التي عثر عليها في أطلال تلك المدينة. 3 كما وجد في حفائر الفسطاط، إلى جانب الخزف الصيني الصحيح، خزف أنتجه الخزفيون المصريون تقليدًا للخزف المصنوع في الشرق الأقصى. ويرجع تقليد الخزف الصيني في مصر إلى العصر الفاطمي، فقد حاول الخزفي ومن نسج على منواله من أتباعه وتلاميذه؛ أن يصنعوا نوعًا من الخزف ،« سعد » المشهور الصيني، 4 ولكن « سونج » ذي الزخارف المحفورة تحت الدهان، كانوا يقلدون به خزف تقليد الخزف الصيني لم تتسع دائرته في مصرإلا في عصرالمماليك. 5 « الجماهر في معرفة الجواهر » وكتب البيروني (المتوفىَّ سنة ٤٤٠ ه/ ١٠٤٧ م) في كتاب عن تقليد الخزف الصيني في إيران، وتحدث عن صديق له في مدينة الري كان عنده عدد وافر من الأواني المصنوعة من الخزف الصيني. 6 وقد قلد الخزفيون الإيرانيون — ولا سيما في القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) — بعض ضروب الخزف المصنوع في الشرق الأقصى، على رأسها نوع امتاز بدهانات متعددة الألوان تغطي سطح الإناء، وذاع استعمال هذا النوع في عصر أسرة تنج، 7 وأصاب المسلمون في تقليده توفيقًا كبيرًا حتى لقد يصعب في بعضالأحيان أن نميز لأول وهلة القطعة الصينية الأصلية من التي صنعت تقليدًا لها على يد الصناع المسلمين.

وقد وجدت قطع من هذا الخزف الأخير في أطلال مدن الري والسوس وإصطخر وساوة، وفي بعضالبلاد بإقليمي مازندران وتركستان، والألوان المستعملة في هذا الخزف كثيرة وجميلة ويسودها الأسمر والأصفر والأخضر، وقد نرى بعض زخارف من دوائر ورسوم نباتية محفورة تحت الدهان ولكنها لا تظهر بوضوح؛ لأن أول ما يلفت النظر في هذا الخزف هو ألوانه المختلطة البديعة، وهو يرجع في الغالب إلى القرنين الثاني والثالث وفي بعضالأحيان إلى القرن الرابع بعد الهجرة (العاشرالميلادي). ومن أنواع الخزف الصيني الأخرى التي قلدها المسلمون الخزف الأبيض الخالص، فكانوا يصنعون منه الصحون والسلطانيات ذات الحافة المشطورة بأقواسمتقابلة. 8 وقد .( أصاب بعضالخزفيين نجاحًا وافرًا في إتقان هذا التقليد (انظر شكل 42 وقد حاول الخزفيون الإيرانيون في عصرالسلاجقة وعصرالمغول (من القرن ٥ إلى ٨ه/من ١١ إلى ١٤ م) تقليد الفخار الصيني. 9 معجم » ونقل ياقوت الحموي (المتوفىَّ سنة ٦٢٦ ه/ ١٢٢٩ م) في مادة الصينمن كتابه حديثًا عن شخصاسمه أبو دلفمسعر بن المهلهل زار بلاد الترك والصينوالهند، « البلدان أشار فيه إلى مدينة من أعمال الهند تُدعى كولم كانت تصنع بها آنية خزفية تباع في العالم الإسلامي على أنها صينية؛ وهي ليست كذلك، لأن طين الصين أصلب من طينها وأصبر على النار. 10 ومما كتبه المؤرخ الإيراني خواندمير عن مصور إيراني مشهور، اسمه مولانا حاج محمد نقاش، أنه حاول مرارًا تقليد الخزف الصيني، وأتيح له بعد جهود متواصلة أن ينجح فيصنع آنية تشبه في شكلها الأواني الصينية ولكنها لا توازيها في اللون والنقاوة. 11 ومما امتاز بإنتاجه الخزفيون في العصرالصفوي نوع من خزفأبيضكانوا يقلدون به الخزف المصنوع في الشرق الأقصى، وكانت زخارفه زرقاء تحت الدهان، وفضلًا عن

ذلك فقد حاولوا أيضًا تقليد الفخار الصيني (البورسيلين)، كما صنعوا آنية وأطباقًا كبيرة الحجم، فيها اللونان الأزرق والأبيض، وتبدو لأول وهلة — في ألوانها وأشكالها وزخارفها — كأنها من صناعة الصين، 12 والحق أنهم أصابوا توفيقًا عظيمًا في صناعة هذا الخزف الأبيض والأزرق، 13 ومن التحف الجميلة المعروفة من هذا النوع، قنينة في القسم الإسلامي من متاحف الدولة في برلين، عليها رسم أسد خيالي ينبعث اللهب من .( كتفيه (انظر شكل 4 وقد قلد الخزفيون الإيرانيون في العصر الصفوي السيلادون الصيني، 14 ولا سيما في مدينة أصفهان، وأصابوا في هذا الميدان توفيقًا عظيمًا في القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي). وكان الحرير الصيني واسع الانتشار في شرق العالم الإسلامي ولا سيما منذ عصر المغول؛ وقلد الإيرانيون زخارفه، فأنتجوا أنواعًا جيدة من الديباج كانوا يصدرونها إلى البلاد الأجنبية؛ وقد عثر على نماذج منها في بعضالمقابر بمدينة فيرونا الإيطالية، وكانت زخارفها من الحيوانات الخرافية، والزهور الصينية، والكتابات العربية. 15 وفي مكتبة السراي باستانبول مجموعة من الصور في مرقعات كبيرة، وفي بعضهذه المرقعات صور بديعة على الطراز الصيني، وفيها صور صينية قد ترجع إلى بداية القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي)، وفيها صور أخرى تجمع بين الطرازين؛ إذ رسوم الأشخاصوالعمائر فيها من طراز إيراني ولكنها في مناظر طبيعيةصينية، ويبدو مع ذلك أن الكل من عمل فنان واحد، ومن المحتمل أن المصور غياث الدين الذي كان من أعضاء أحد الوفود التي أرسلها شاه رخ إلى الصين، والذي عُني في وصف رحلته بالتحدث عن مواكب أهل الصين، وملابسهم، ومهارتهم في العمارة، وما رآه من الصور الحائطية

على جدران معابدهم، نقول من المحتمل أن هذا الفنان هو الذي جمع أو رسم هذه الصور الصينية الإيرانية المحفوظة في مكتبة السراي. 16 وفي المكتبة الأهلية بباريس مخطوط من رسالة عن الأبراج، ومجموعات النجوم، وكان هذا المخطوط ملكًا للأمير أولوغ بك ابن شاه رخ، ويبدو في رسومه أنها منقولة عن أصول صينية، ولا سيما في ألوانها الهادئة، وبعدها عن النضارة، والتباين، والحدة التي امتاز بها المصورون من مدرسة هراة في العصرالتيموري. 17 وقد كان تقليد الصور الصينية منتشرًا في العصرالمغولي، وفي العصرالتيموري إلى حد أن كثيرًا من الصور الإيرانية المغولية كانت تنسب في البداية إلى مصورين من الصين، أو يقال: إنها منقولة عن نماذج صينية؛ ولكن ثبت بعد مواصلة الدرسوكشف المخطوطات المصورة أن قسطًا وافرًا من الشبه بين الصور الإيرانية المذكورة والصور الصينية يرجع إلى تأثر المصورين المسلمين بالأساليب الفنية الصينية فحسب. ومن الصور التي وصلتنا، والتي نرى فيها العناصرالصينية والإيرانية جنبًا لجنب، بدون أن تختلط أو تكوِّن وحدة متماسكة، نقول: من تلك الصور واحدة كانت في مجموعة وتمثل فرع شجرة مورقًا ومزهرًا وعليه عصفور، وتبدو هذه المجموعة كأنها ،Vever فيفر صينية من عصر منج؛ ولكن رسم تحتها خسرو وشيرين الحبيبان الإيرانيان، بملابس فارسية ووجهين صينيين، حتى ليصعب الجزم بأن المصور كان إيرانيٍّا قلد الصناعة .( الصينية أو صينيٍّا قلد الرسوم الإيرانية 18 (شكل 30 وكذلك كان المصورون في المدرسة الصفوية الثانية — ولا سيما بين عامي ١٥٧٠ و ١٦١٠ — مغرمين بتقليد الصور الصينية ورسم الصور بدون لون أو بلون قليل جدٍّا، وكان على رأس هذه المدرسة رضا عباسيوولي جان وصادق، على أنهم انصرفوا إلى تقليد الصور والرسوم الموجودة على الحرير الصيني الذي كان ذائع الانتشار في ذلك الوقت، ولم يقلدوا اللوحات الفنية الصينية إلا نادرًا

اضغط على الرابط لقرائة باقي المقال
⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩

إرسال رد أو تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها