ثمار الفلسفة الرشدية في أوروبا

2017-05-26

ثمار الفلسفة الرشدية في أوروبا

في أواخر القرن الثاني عشر ظهر في مقاطعة بريتانيا بفرنسا مفكر مصلح اسمه أموري البنياوي، وصاحبه داود الدنيانتي، فخالفا تعاليم الكنيسة واستجلبا سخطها، فحوكم أتباعهما وعوقبوا بالإحراق أحياء، أما المصلحان فقد فرا طلبًا للنجاة، ولكن يد الكنيسة في القرون الوسطى كانت طولى، وكان صبرها أطول، فإنها ترقبت موتهما ونبشت قبرهما وأحرقت رفاتهما ليكونا عبرة للمؤمنين! وقد ظهر للكنيسة أن سبب هذا البلاء فلسفة أرسطو كما شرحها ابن رشد، فاجتمع في باريس مجمع ديني علمي (سنة ١٢٠٩ ) وحظر درس الفلسفة الأرسطية والشروح الرشدية، فحرمت أولًا الطبيعيات، ثم كتب ما بعد الطبيعة، وقد استمر هذا المنع ثلاثين عامًا.

وفي سنة ١٢٦٩ حمل أسقف باريس حملة كبرى على الفلسفة في شخص ابن ( رشد، وخص باللعن والتكفير المبادئ الآتية: ( ١) أزلية العالم. ( ٢) إنكار آدم. ( ٣ وحدة العقل الإنساني. ( ٤) القول بأن العقل، وهو شكل الإنساني ومهيئ ذاته، يهلك مع البدن. ( ٥) في أن أفعال البشر خارجة عن حكم العناية. ( ٦) أن العناية عاجزة عن تخليد ما مآله للفناء، وصيانة ما مآله للفساد. ولما كانت كتب ابن رشد الطبية انتشرت من جنوب فرنسا إلى شمال إيطاليا وذاعت في مدارس بدوا، فقد ذاعت أيضًا فيها تعاليمه الفلسفية، ومال الأطباء الذين تعلموا عليها إلى حرية الفكر وأخذوا بفلسفته، وأشهر من نذكر من علماء هذا البلد جاتياد السيناوي، الذي بدأ بدرس الشرح الكبير سنة ١٤٣٦ وأوعز بطبعه فلم يدركه، ولكنه طبع سنة ١٤٧٦ . وقد خلفه في منصب تدريس الفلسفة سينكوفرنياس، ولم على ما فيه من مخالفة « روح العالم » يبال هذان الحكيمان بالاعتراض، بل نشرا مذهب الدين المسيحي في عقيدة الخلود، وقد ازداد النقد وانقلب سخطًا إذ نشر تلميذهما نينو كتابه في العقل. ولابن رشد فضل لا ينكر على روجير بيكون الفيلسوف الشهير، فقد استفاد من « أبوس ماجوس » كتبه وحيًا واستنزل من حكمته إلهامًا، وذكره في كتابه اللاتيني إنه فيلسوف متين متعمق، صحح كثيرًا » : وأثنى عليه وعلى مواهبه وسعة علمه، وقال من أغلاط الفكر الإنساني، وأضاف إلى ثمرات العقول ثروة لا يستغنى عنها بسواها، وأدرك كثيرًا مما لم يكن قبله معلومًا لأحد، وأزال الغموض من كثير من الكتب التي «. تناولها ببحثه ١٢٧٤ ) الذي صار قديسًا لأنه كان أعظم – أما توماس أكويناس الشهير ( ١٢٢٥ لاهوتي في كنائس الغرب وأكبر فلاسفة القرون الوسطى، فقد علا نجمه بكتابه إجمال وقد وصف لله فيه بالطبيعة الفعالة. ،« سوماتيولوجيا » اللاهوت ذكر القديس توماس أسباب اتصاله بالأفكار الدنيوية، ودل على أن الفضل في وضع كتابه شكلًا ومادة يرجع إلى طريقة ابن رشد وفلسفته، وهو في الظاهر يفندها وينتقدها، ولكنه كلما حاول الوصول بالفكر إلى إحدى نتائج الحكمة قرر مبدأ التعدد الذي أساسه أزلية المادة، مستمدٍّا ذلك من ابن رشد وأرسطو. ولم ينج ابن رشد من ألسنة رجال الكنيسة، فقد ذموه بكل شفة ولسان، وطعنوا إنه ذلك الكلب، الكلب الذي هاجه غيظ ممقوت، » : عليه أقبح طعن. قال بترارك عنه

أما دانتي فقد جعله في وقار «. فأخذ ينبح على سيده ومولاه المسيح والديانة الكاثوليكية وهدوء يتبوأ مجلسه في الجحيم جزاء كفره واعتزاله. وممن تعذب في سبيل ابن رشد هرمان فان ريزويك الكاهن الهولندي الذي أحرق بتهمة الهرطقة في لاهاي في سنة ١٥١٢ ، ومن عجائب القدر أن هذا الحكيم الفاضل كان قبل هدايته بالحكمة قاضيًا في محكمة التفتيش، ولم يدافع أحد عن الدين المسيحي مثل دفاعه بلاغة وإخلاصًا واعتقادًا. ولكنه بعد ذلك غير فكره فقال — بلسانه وهو حائز سائر صفاته الشرعية ومتمتع بجميع قواه العقلية — أمام مجلس التفتيش الذي إن العالم أزلي ولم يخلق كما ادعى ذلك المجنون (!) » : عقد في سنة ١٥٠٢ لمحاكمته موسى، وإنه لا يوجد جحيم ولا حياة مستقبلة، وإن السيد المسيح لم يكن ابن لله، لقد فحكم عليه المجلس بالسجن «. ولدت مسيحيٍّا ولكنني لست الآن منكم لأنكم مجانين المؤبد. ثم تقدم للمحاكمة ثانية بعد عشرة أعوام، وقد حسِبوه قد تحوَّل أو أن السجن ألان من صلابته وأضعف من شكيمته، أو لطف من مغالاته، أو قلل من تحامله، فوجدوه أصلب وأقوى وأعند مما كان! فحكموا بإحراقه وأحرق فعلًا في ١٤ ديسمبر سنة ١٥١٢ ، وقد قال في ذلك اليوم جملة هي سبب هذا الاستشهاد الطويل وهي: إن أعلم العلماء أرسطو وشارحه ابن رشد، وهما أقرب إلى الحقيقة. بهما اهتديت » «. وبفضلهما رأيت النور الذي كنت عنه عميًا فأثبت بذلك أنه كان رشدي المبدأ والنزعة، وأنه لولا اعتقاده ومجاهرته ما تعذب في سبيل فكره.

اضغط على الرابط لقرائة باقي المقال
⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩

إرسال رد أو تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها