حب الطبيعة لإبن الرومى

2017-02-14

حب الطبيعة لإبن الرومى

وتنتقل من ذاك إلى الخاصة الأخرى من خواص الطبيعة اليونانية، وهي حب الطبيعة.

فقد وصف الطبيعة شعراء كثيرون، ولم يمنحها الحياة إلا قليلون! أما الذين منحوها حياة نحبها وتحبنا، ونعطف عليها وتعطف علينا، ونناجيها وتناجينا، فأقل من هؤلاء القليلين.

وذاك أن الشاعر قد يؤخذ بأحمرها وأبيضها وأصفرها وأخضرها، ويفتن بما فيها من الزراكش والأفانين، ثم لا يعدو بذلك أن يمدح شيئًا قد يجد مثله في ألوان الحلي وأصباغ الطنافس ونقوش الجدران، أو نحن نخطو وراء ذلك خطوة فنقول: إنه لا يعدو بذلك أن ينظر إلى دمية فاتنة يروقه منها وجه مليح، وقوام ممشوق، وحسن مفاضٍ على الجوارح والأوصال، ولكنه لا يتطلع منها إلى عطف ولا يفتش فيها عن طوية.

وقد يستريح الشاعر إلى الطبيعة لأنها ظل ظليل، ومهاد وثير، وهواء بليل، وراحة من عناء البيت، وضجة المدينة، فلا يعدو بذلك أن يستريح إليها كما تستريح كل بنية حية إلى الماء والظل والهواء، كذلك تهجع السائمة في المروج، وكذلك تهتف الضفدع في الليلة القمراء.

وقد يمنحها الشاعر حياة من عنده أو من عند الخرافات والأساطير، فإذا هي حياة بغيضة لا تصلح للتعاطف والمناجاة، ولا يصدر عنها إلا الفزع والإحجام، ولا تقوم بينه وبينها إلا الحواجز والعداوات.

أما الطبيعة التي تُحبُّ وتُناجى، وينم التعاطف بين الشاعر وبينها عن ثروة غزيرة من الشعر والشعور، فهي طبيعة الحور الخافقات في الهواء، والعرائس السابحات بين الأمواج، والعذارى الراقصات في عيد الربيع، والجنيات الهامسات في رفرفة النسيم ورقرقة الغدير، وحنين الصدى وحفيف الأغصان، أو إن شئت فقل: إنها هي الطبيعة العامرة بما في البروق والرعود والسماوات والأعماق من بطولة وعظمة، ونضال جياش بالغضب الظافر، والسطوة المجيدة، والخطر المثير، والشجاعة التي تُقدم ولا تُحجم، وترجو ولا تخاف، أو إن شئت فقل: إنها هي الطبيعة التي تبث الإغراء في كل شيء حتى ليحذر الملَّاح لجة البحار؛ مخافة أن تستهويه بنات الماء من وراء زُرقة الأمواج، فيثب إلى أحضانها وكأنما يثب إلى أحضان عروس طال بها عهد الغياب.

فعلى هذا النحو تنجلي الطبيعة للعبقرية التي تحبها وتمنحها الحياة، فليست هي دمية ولا حلية، وليست هي مروحة للهواء ولا مجلسًا للمنادمة، ولكنها قلب نابض وحياة شاملة، ونفس تخف إليها، وتأنس بها، و«ذات» تساجلها العطف وتجاذبها المودة، ثم هي عمار لا خواء فيه، وأسرة لا تبرح منها في حضرة قريب يناجيك وتناجيه، ويعاطيك الإخلاص وتعاطيه.

وقد كان ابن الرومي يحب الطبيعة على هذا النحو، ويستروح من محاسنها نفسًا تتصبى الناظر إليها، وتتبرج له «تبرج الأنثى تصدت للذكر»، ويرى وراء هذه الزينة التي تبدو على وجهها عاطفة من عواطف العشق، تتعلق بها العفة والشهوة تعلقها بالعاطفة الإنسانية الشاعرة:

زينة البغي

فهي في زينة البغي ولكن
هي في عفة الحصان الرزان

ولا يقول هذا القول على سبيل الاستعارة اللفظية، ولكنه يقوله ويصف الطبيعة الوصف الذي يقتضيه ذلك الشعور، ويمليه ذلك التصور، فيشف وصله لها عن شغف الحي بالحي، وشوق الصاحب إلى الصاحب، وتسمع من تشبيبه بها رنة طرب أو شجو لا تخرج إلا من نفس مفعمة بأصداء الطبيعة قد نفذت إلى طويتها، وشاركتها فيما تتخيله لها من حزن وسرور، فهو يحيا مع الشمس الغاربة حين تضع على الأرض «خدًّا أضرع» من دهشة الفراق، وهو يحيا مع النوار حين تخضل بالدمع عيونه، وتهبط مع الليل شجونه، وهو يحيا مع الذباب المغرد والطير الساجع في ساعة الغروب التي يمتزج فيها الحنان الذائب بالشوق الخفيض، وهو ينتظم ذلك كله في أنشودة واحدة لم تدع مزيدًا لفن اللون والحركة، ولا مزيدًا لوحي الخيال والسليقة:

إذا رنَّقت شمس الأصيل ونفضت
على الأفق الغربي ورسًا مذعذعا
وودعت الدنيا لتقضي نحبها
وشوَّل باقي عمرها فتشعشا
ولاحظت النوار وهي مريضة
وقد وضعت خدًّا إلى الأرض أضرعا
كما لاحظت عواده عين مدنف
توجع من أوصابه ما توجعا
وظلت عيون النور تخضل بالندى
كما اغرورقت عين الشجي لتدمعا
يراعينها صورًا إليها روانيا
ويلحظن ألحاظًا من الشجو خشَّعا
وبيَّن إغضاء الفراق عليهما
كأنهما خلَّا صفاء تودعا
وقد ضربت في خضرة الروض صفرة
من الشمس فاخضر اخضرارًا مشعشعا
وأذكى نسيم الروض ريعان ظله
وغنَّى مغني الطير فيه فسجَّعا
وغرد ريعيُّ الذئاب خلاله
كما حثحث النشوان صنجًا مشرعا

وهو يعرف الربيع حياةً تتحرك في الوحش والطير، كما يعرفه زخرفًا تتحلى به الأرض والسماء؛ لأنه وليمة الحياة للأحياء.

تجد الوحوش به كفايتها
والطير فيه عتيدة الطعم
فظباؤه تضحى بمنتطح
وحمامه يضحى بمختصم
إن الربيع لكالشباب وإنْ
نَ الصيف يكسعه لكالهرم

وهو ينتشي مع الطيور والأغصان إذا بعثت الشمال بتحيتها و:

هبت سُحيرًا فناجى الغصن صاحبه
موسوسًا وتنادي الطير إعلانا
وُرقٌ تغني على خضر مهدلة
تسمو بها وتشم الأرض أحيانا
تخال طائرها نشوان من طرب
والغصن من هزه عِطفيه نشوانا

وهو يستمع إلى الروضة في بكائها وشدوها إذ هي:

يتداعى بها حمائم شتى
كالبواكي وكالقيان الشوادي
من مثانٍ ممتعات قران
وفراد مفجعات وحاد
تتغنى القران منهن في الأيـ
ـك وتبكي الفراد شجو الفراد

وهو يفهم الشعر الذي لا ينشده صاحبه للأجر والصنعة:

لكن كما راقت القمري جنته
فظل يتبع تغريدًا بتغريد

وهو يحسن الإصغاء إلى سر الحياة الكامنة في هذه الأرض، وينصت إلى ما يبوح به الربيع في نجواها إذا:

لم يبق للأرض من سر تكاتمه
إلا وقد أظهرته بعد إخفاء
أبدت طرائف وشي من زواهرها
حمرًا وصفرًا وكلٌّ نبت غبراء

وهو يشتهي جمال الطبيعة من كل جارحة في نفسه إذا بدت للعين:

برياض تخايل الأرض فيها
خيلاء الفتاة في الأبراد
منظر معجب، تحية أنف
ريحها ريح طيب الأولاد

وقد بلغ من قوة هذا الإحساس فيه أن تجاوز حيز البديهة إلى حيز التفكير، كأنه التفت إلى نفسه فأدرك من طول المراقبة وتواتر الإحساس المتشابه علة أُنسه بالطبيعة، وعلم أنه أانس مستمد مما يفيضه عليها من دلائل الحياة، فقال في أبيات يصف بها الأغصان:

تلاعبها أيدي الرياح إذا جرت
فتسمو، وتحنو تارة فتنكس
إذا ما أعارتها الصبا حركاتها
أفادت بها أنس الحياة فتؤنس

الشغف المتوهج

ولما شغف بالشباب ذلك الشغف المتوهج لم ينس معه الشغف بالطبيعة، ولم يفرق بين ربيعه وربيعها، وبين ثمراته وثمراتها، بل خلع من شبابه عليها، وخلع من شبابها عليه ومزج بينهما مزجًا لا تخاله يكون إلا في مهجة واحدة، وجسد واحد؛ فإذا تذكر الشباب فاسمع ما هذا الذي يذكره بالشباب:

يذكرني الشباب صدى طويل
إلى برد الثنايا والرضاب
وشح الغانيات عليه إلا
على ابن شبيبة جون الغراب
… … … … …
… … … … …
يذكرني الشباب جنان عدن
على جنبات أنهار عذاب
تُفيِّئ طلَّها نفحات ريح
تهز متون أغصان رطاب
إذا ماست ذوائبها تداعت
بواكي الطير فيها بانتحاب
يذكرني الشباب رياض حزن
ترنم بينها زرق الذباب
إذا شمس الأصائل عارضتها
وقد كربت تواري بالحجاب
وألفت جنح مغربها شعاعًا
مريضًا مثل ألحاظ الكعاب
يذكرني الشباب سراة نهي
نمير الماء مطرد الحجاب
قرته مزنة بكرٌ وأضحى
ترقرقه الصبا مثل السراب
على حصباه في أرض هجان
كأنَّ ترابها ذفر الملاب
له حبك إذا اطَّردت عليه
قرأت بها سطورًا في كتاب
تذكرني الشباب صبا بليل
رسيس المس لاغبة الركاب
أتت من بعد ما انسحبت مليًّا
على زهر الربا كل انسحاب
وقد عبقت بها ريا الخزامى
كريا المسك ضُوِّع بانتهاب
يذكرني الشباب وميض برق
وسجع حمامة وحنين ناب
فيا أسفا ويا جزعا عليه
ويا حزنا إلى يوم الحساب
أأفجع بالشباب ولا أعزَّى؟
لقد غفل المعزي عن مصابي
تفرقنا على كره جميعًا
ولم يك عن قلًى طول اصطحاب
وكانت أيكتي ليد اجتناء
فعادت بعده ليد احتطاب
أيا بُرد الشباب لكنت عندي
من الحسنات والقسم الرغاب
بليت على الزمان وكل برد
فبين بلًى وبين يد استلاب
وعزَّ عليَّ أن تبلى وأبقى
ولكن الحوادث لا تحابي
لبستك برهة لبس ابتذال
على علمي بفضلك في الثياب
ولو مُلِّكت صونك فاعلمنه
لصنتك في الحريز من العياب

وهذا حنين إلى الطبيعة وشبابها، وحنين إلى العمر وشبابه لا تدري أين يبتدئ أحدهما وأين ينتهي الآخر، فهما حنين واحد، وشباب واحد، وفاكهة واحدة، وروضة واحدة، وإنك لتذوق الفاكهة فتذوق فيها طعم الشفاه والخدود، وتجد فيها مس الضفائر والنهود، وتجمع فيها بين وليمة الحب ووليمة البستان بعد أن تسمعه يقول:

متع الظبي من جنى غصنك اللد
ن يمتعك منه قبل انخضاده
من عناقيده وتفاحه الغض
ورمانه ومن فرصاده

أو بعد أن تسمعه يقول:

أجنت لك الوجد أغصان وكثبان
فيهن نوعان: تفاح ورمان
وفوق ذينك أعناب مهدلة
سود لهن من الظلماء ألوان
وتحت هاتيك عناب تلوح به
أطرافهن قلوب القوم قنوان
غصون بان عليها الدهر فاكهة
وما الفواكه مما يحمل البان
ونرجس بات ساري الظل يضربه
وأقحوان منير النور ريان
أُلِّفن من كل شيء طيب حسن
فهن فاكهة شتى وريحان

فلا افتراق عنده بين الطبيعة والشعور، يكاد لا ينظر إلى الحسان إلا تذكر الروضة والبستان، أو يكاد لا ينظر إلى الروضة والبستان إلا بنظرة تثير الرغبة وتوقظ الأشجان.

ولو كان للطبيعة في بلاد العراق ظواهر أخرى غير هذه الظواهر التي توزَّع وصفها في قصائده ومقطوعاته؛ لقرأت له في تلك الظواهر الأخرى وصفًا على هذا الأسلوب يحييها ويناجيها، ويلهمها القول والعمل، ويزوِّدها بالسير والأحاديث، كما ترى في الأساطير المروية عن بلاد الرعود والبراكين والمغاور والآجام؛ لأننا لا نحسب هذه القريحة قادرة على أن تتخيل شيئًا من الأشياء بغير حياة، ولا على أن تفصل بين عالم الطبيعة وعالم الحياة في أي البلاد.

اضغط على الرابط لقرائة باقي المقال
⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩

إرسال رد أو تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها