سيف بن ذي يزن تَبْع حِمْيَر المنتظر

2017-01-22

سيف بن ذي يزن تَبْع حِمْيَر المنتظر

تلك هي المرة الأولى، التي وعي فيها سيف بن ذي يزن على نفسه بعدما مادت أرض القلعة الرخامية من تحته، فسقط في ذلك الفخ — الملغم — المفتوح الفاه عن آخره.

وذلك لحظة إطباق ملكه أحمرا — قمرية — عليه على رأس جنودها من كل جانب، كمثل نمر مفترس هائج، مشهرة سيوفها وقواطعها وحرابها، لتهوى بها على رأسه.

– اقتلوه!

كانت تلك هي المرة الأولى، التي فتح فيها سيف عينيه عن آخرهما وهو مجندل مقيد بالحديد و«الكلابات» والجنازير فزعًا صارخًا في وجه أمه الملكة المحاربة قمرية وهي على ظهر الشهباء فرس ذو اليزن متقلدة عدة حربه شاهرة حسامها استعدادًا لكي تهوي به على رأسه فصرخ في وجهها: حذا … أنا سيف … هيكل … ابنك.

هنا عجزت الذراع المشهرة الضاربة فتراجعت كمن شلت للحظة عن كل حركة، ونزلت قمرية من فورها مسرعة فزعة عن حصانها متفرسة في وجهه، وبالتحديد على شامة التَّبَاعِنَة الخضراء على جبينه، بينما خلع هو أقنعة تنكره وأزال الأصباغ عن وجهه وصدره العاري مسرعًا: هو … سيف!

وللحظة سريعة كمثل برق خاطف اقتنصت نظرات — الأم قمرية — المدققة ملامح ذو اليزن — والده — السمحة الفائقة النبل، منكبة عليه محتضنة إياه في حنو: هيكل … سيف … ولدي.

استدارت كمن تعلن لحرسها في انبهار لا يصدق أبعاد وحقيقة ما حدث.

– سيف بن ذي يزن … حذار.

وقبل أن تمتد يد لتخلصه من فخاخه كان هو قد اندفع نافضًا عنه قيوده قائمًا منتصبًا على قدميه في حيوية مصافحًا أمه، متطلعًا في وجوه فرسانها وكأنما يحيي بابتسامته الصافية أصدقاء أعزاء قدامى.

– عدنا … مرحبًا … أمي الحبيبة.

استدار مستطلعًا من فوره سير المعارك الطاحنة الضارية الدائرة على طوال الساحات الواسعة في شوارع — أحمرا — المتقاطعة والجانبية عبر شرفات القصر الشاهق المرتفع البنيان، بما يسمح بجلاء ووضوح رؤية كل شيء على طول السهول والوديان، وعلى طول النهر الفضي العريض المتدفق جاريًا إلى الشمال.

وبدا واضحًا للعيان هدف الأحباش وحلفائهم المستهدف لقصر ذو اليزن ذاته حيث الملكة: أفعى أحمرا.

إلى درجة دفعت بقمرية إلى التخلي عن ابنها — سيف — مشيرة صارخة: انتبهوا … غربًا … غربًا.

إلا أن تراخي ابنها منفلتًا من بين أحضانها مستبشرًا ضاحكًا، أعاد إليها من جديد تنهدها مشيرة للخطر المرتقب: تقدموا.

لحظتها تزايدت أكثر ضحكات سيف وهو ينفض عنه غبار معاركه مقهقهًا في عنف، وهو يقارب قمرية مجددًا محاولًا إعادة إنزالها من فوق صهوة جوادها، مما ضاعف من سخطها عليه، إلى أن قال سيف بن ذي يزن؛ موضحًا: إنهم جنودي، جنودك أيتها الملكة الأم، المنتصرة، «ضاحكها» انتبهي.

تردد بصر قمرية بين حشود الجند المسرعة العدو باتجاه المدخل الغربي لقصر القلعة، وبين ضحكات سيف واستبشاره ممتطيًا من فوره ظهر حصانه مشيرًا لفيالق الجنود المقتربة، مهللة بالنصر، محيطة به من كل جانب في تعالٍ.

– المجد لتبع حِمْيَر المنتظر.

هنا بدا المشهد في عين الملكة الأم قمرية، أقرب إلى الحسد المحمل بكل زهو وإكبار.

– تبع حِمْيَر المنتظر … ولدي!

فاتسعت ابتسامتها وهي تشهد ما يحدث بين ابنها — العائد — سيف وبين فيالقه وكتائبه، بلباسهم المزين بالألوان التي يخالط فيها الأخضر الزمردي القاني، والأحمر الصارخ وقد شهروا سيوفهم؛ هكذا يدخل سيف بن ذي يزن مدائنه وقصر أبيه.

وبهر جنود أحمرا بدورهم مما يشهدونه غير مصدقين: إنهم يشهدون الآن وعبر أجيج المعارك المستعرة الضارية التي امتدت شهورًا، تَبْعهم المنتظر.

– سيف بن ذي يزن تحت أعلام التَّبَاعِنَة.

كان الفرسان يدورون بخيولهم من حوله — أي سيف — خالعين عنهم شارات التمويه والتستر بالأزياء الحبشية، رافعين رايات وبيارق التَّبَاعِنَة، وقد علت أناشيدهم المدوية احتفالًا بالانتصار، في مشهد مثير صاخب بعث في جسد قمرية الذي أوهنته المعارك رعدة لم تكن تعرفها من قبل، في كل ما سبق لها أن واجهته وتصدت له، عبر حياتها الجسورة التي عاشتها.

– ولدي العائد سيف.

– تَبْع حِمْيَر العائد.

مضت قمرية تشهد عن بعد ما يحدث، من توافد فيالق وكتائب ابنها سيف بن ذي يزن، من كل جهة وصوب، نازعة عنها هي الأخرى شارات تنكرها تحت أزياء الأحباش وحلفائهم، ليحكموا خطة الكماشة المطبقة — من الخلف والأمام — على ملك الأحباش، منذ حط بجنوده داخل أحمرا ذاتها، فكان أن عجلوا بالنصر، غمغمت قمرية لنفسها: بل هم اقتنصوه.

حطت ببصرها عليه وهو يدور وسط حلقات فيالقه وكتائبه وجنوده، مشاركًا في أغاني انتصاراتهم، مجللًا من كل جانب بأعلام التَّبَاعِنَة وبيارقهم، إلى أن عم خبر عودة التَّبْع العائد الذي فك حصار مملكة أحمرا، وأوقع بالأحباش الهزيمة، فتوافدت الجموع من كل جانب غير مصدقة، وتزايدت أغاني النصر وأفراحه متفجرة في كل مكان.

مما دفع بسيف إلى الاندفاع باتجاه أمه مطالبًا إياها بالخروج لتحية جنوده وفرسانه والجميع، والمشاركة في احتفالات النصر في هذا اليوم الكبير معاودًا إصدار تعليماته هنا وهناك، لمواصلة تصفية آخر قلاع وجيوب الأحباش، بل ومطاردتهم باتجاه الجنوب تمهيدًا لأن يلحق بهم — أي بجنوده — قبل مطلع صباح اليوم التالي.

وانتهى سيف بن ذي يزن من متابعة مطاردة جيش سيف أرعد إلى داخل تخوم وحدود بلاده ذاتها، عبر معارك استخدم فيها الجانبان أقصى طاقات المقاومة، خاصة من جانب الأحباش الذين أفجعهم خداع سيف بن ذي يزن لهم بتنكره، وادعائه محالفتهم على ذلك النحو الصارم.

أما فاجعة ملك الأحباش سيف أرعد ووزيره سقرديون اللذين وصل بهما الغضب والحقد على التَّبْع اليمني الجديد وغدره المتواصل بهما، إلى حد دفع بهما إلى خوض المهالك دون رحمة أو مهادنة في محاولات للإيقاع به أينما كان، وقبل استشراء خطره أكثر فأكثر عقب عودته عيانًا جهارًا لمنازلة الحبشة، وتحالفه مع أمه قمرية.

– ستصبح الأذية أذيتين على رءوس الأحباش وكل الأفريقيين.

وهو ما تحقق بوصول إمدادات قمرية لمساندة ابنها في نقل المعارك إلى داخل بلاد الحبشة بدلًا من أحمرا.

مما اضطر سيف أرعد إلى الإسراع مطالبًا بالهدنة ووقف القتال، الذي رفضه بحدة سيف بن ذي يزن، بينما تقبلته ملكة أحمرا، مما أوعز الخلاف بينهما أو بين قراريهما المتضاربين.

وهذا ما سمح لسقرديون بتعميق ذلك الخلاف بين — الأم وابنها — إلى حد تزايد القطيعة التي جمدت مسار الحرب المستعرة وأوهنت من روح سيف المقاومة، ثم تقبله في النهاية لقرار والدته بوقف الحرب، والعودة إلى أحمرا.

حتى إذا ما عاد سيف بن ذي يزن إلى عاصمة التَّبَاعِنَة التي فتحت ذراعيها عن آخرهما لاستقباله بعد نفي وغياب طويل كانت قمرية قد اتخذت سلفًا قرارها الذي عانت منه طويلًا وحدها، في تنفيذ وصية الوالد الراحل «ذو اليزن» بتسليمه سلطاته ليعتلي عرش التَّبَاعِنَة.

وتم الاحتفال بتنصيبه، بما يليق من تكريم، حين تخلت قمرية عن عرش ذو اليزن الباهر، نازلة درجاته على مشهد من أمراء حِمْيَر ووزرائها، وشيوخ القبائل والعشائر والجموع التي جاءت لتشهد اعتلاء سيف بن ذي يزن لعرش أجداده المتوارث منذ سبأ وحضرموت.

وجثى هو على ركبتيه أمامها وهي تضع تاج ذو اليزن على رأسه مقبلة.

– لعل التَّبْع الراحل شهد تلك اللحظة من مثواه، وفي اليوم التالي لتنصيبه اقتادته أمه إلى حيث كنوز ذو اليزن وعدة حربه ومخطوطاته ودراساته عن «كتاب النيل»: سأحفظه في قلبي، كما تحفظ حدقتي عيني.

وكما لو أن سيف بن ذي يزن، قد وقع على بغيته حين انشغل بتصفح صفحات الكتاب في حرص، مستغرقًا في تأمل رسوماته التوضيحية ومدوناته وخرائطه الملونة.

– استغرق عمره بكامله فيه.

– أعرف يا أماه … أبي!

وهكذا استحوذت كتابات ومدونات التَّبْع الراحل على ابنه: بعد تسلم سلطاته فانكب بكامله، وقبل كل شيء، على قراءتها وحل رموز وطلاسم — كتاب النيل — الذي يعرف أعداء العرب قبل غيرهم أن من يمتلكه يتحكم في النيل بكامله ومجراه وإخصابه ومجاعاته.

حتى إذا ما حاول سيف بن ذي يزن إجراء تطبيقاته، ولو من باب إرهاب الأحباش الأعداء، منعته أمه متغاضية عما انتهت إليه الأحداث باعتزالها لسلطاتها، وبعدما ارتضى الجميع وأولهم هي — قمرية — ذلك وهو ما انتهى بتنصيب التَّبْع الجديد.

وعمق من أغوار الصراع الخفي بين الملكة المتنازلة عن العرش وابنها ما تلقاه الملك التَّبْع سيف بن ذي يزن من رسائل بعث بها إليه وزير والده الأول المقرب «يثرب» حين أرسل له مهنئًا وشاكيًا من عدم قدرته على المجيء من يثرب إلى أحمرا لحضور مراسيم تنصيبه التي كان ينتظر يومها المنشود، تخوفًا من أمه قمرية التي تسببت في رحيله إلى مدينته يثرب — أي المدينة المنورة فيما بعد — منشدًا له أجزاء من معلقته الشهرية:

فمن يثرب قد صرنا بعد عمرها
إلى بعلبك ابن عمي بها عبرا
وسرنا إلى أرض الحبوش بجيشنا
نزلنا بوادٍ عمه الماء والزهر
مليكنا ذو اليزن عمر أحمرا
حصنها بالأسوار وأجرى الأنهرا
أبراجها من حولها وقلاعها
بها شيدت والناس من حولها زمرا

ولم يشأ سيف أن يستوضح من أمه عن جذور خلافها مع وزير والده، وموضع سره يثرب تحرجًا من جرح مشاعرها، كما أنه لم يشأ أن يستأثر بقرار مصيري، يتصل بالحرب والسلم ومهادنة سيف أرعد لا ترضى عنه والدته قمرية، مهما عز عليه.

– فهي أمي، من حبلت بي.

ذلك على الرغم من تيقنه الدفين من خطورة قراراته في هذا الشأن، خاصة وأن الأخبار التي يرصدها عياروه وبصاصوه، تجيئه بالكثير حول الحشود التي يسعى إليها الملك سيف أرعد في الخفاء، والمبيتة كلها ضده وضد عاصمة التَّبَاعِنَة، مستخدمًا في ذلك كل النعرات العنصرية ضد العرب الساميين «ذوي البشرة البيضاء» وأطماعهم في أفريقيا الزنجية.

ودعم من صدق وتحقق هذه المعلومات المتسمة بكل خطر، ما بعثت إليه به مؤكدة حبيبته وزوجته «شامة» ملكة أفراح.

حتى إذا ما تراكمت مكاتباتها ومراسلاتها له من خطية وشفهية، حول جنون سيف أرعد وتحالفاته الخفية التي اتسع مداها حتى شملت وغطت غرب أفريقيا وجنوبها، بدأ سيف التفكير في معارك الحرب.

حصار سيف بن ذي يزن

وهكذا وجد سيف بن ذي يزن نفسه محاصرًا غير قادر على الحركة برغم تملكه لسلطاته كتَبْع لحِمْيَر وعرش اليمن، وهو الذي لم يعتد من قبل على حياة القصور الوادعة الرخوة، كمثل دمية في يد أمه قمرية التي استأثرت بقرار الحرب والسلم، مؤثرة احترام صكوك الهدنة مع الأحباش.

– وأين هي الهدنة مع سيف أرعد وأطماعه التي لا يحدها حد.

إلى أن تواترت الأخبار، حول عبث الأحباش، السري من جديد في النيل ومقاييسه، وخاصة ضد مصر وأفراح وأعالي السودان.

بل وضاعف من خطورة الأمر، استقدام سيف لبعض حامياته في بلاد النوبة والمغرب الكبير.

– لماذا!

وهو السؤال الذي طرحه على والدته قمرية مرارًا دون أن تتزحزح ولو قيد أنملة عن قرارها مؤثرة السلم على الحروب وأهوالها.

إلى أن روع الملك سيف بن ذي يزن، برسل زوجته شامة المحملين بتجدد الحرب بين الأحباش ومملكة أفراح، وتلك الحشود الهائلة التي اجتاحت البلاد باتجاه العاصمة، وتصميم سيف أرعد على التخلص أولًا، وكما يقول ويذكر مستخفًّا: «التبلغ أولًا ببلاد شامة أي أفراح»، وهو يعلم أنها زوجته.

هنا نفد صبر الملك التَّبْع سيف بن ذي يزن، مقررًا كسر قرار والدته — قمرية — والخروج من جديد لملاقاة الأحباش، حتى إذا ما أعادت والدته معارضتها احتدام الخلاف بينهما، وانتهى بانقسام الجيش العربي، وخروجه وحده بفيالقه غير المتكافئة مع جيش الحبشة، لفك حصار أفراح والإفراج عن حبيبته وزوجته شامة التي لم تقدر له الأحداث المتوالية معاشرتها كبقية خلق الله، إلى أن وقعت في أسر سيف أرعد.

– شامة … حبي!

اضغط على الرابط لقرائة باقي المقال
⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩

إرسال رد أو تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها