شركات صناعة السيارات والحرب

2017-07-23

شركات صناعة السيارات والحرب

مع تولي النازيين السلطة عام ١٩٣٣، اكتسبت صناعة السيارات طابعًا سياسيًّا؛ فقد أراد هتلر أن يقلد شركة فورد في إنتاج سيارة بكميات ضخمة.12 عند هذه المرحلة ظهر على الساحة عبقري صناعة السيارات النمساوي فرديناند بورشه. كانت شركة ديملر للسيارات قد أتت به إلى ألمانيا، لكن بعد اندماجها مع بنز، لم تكُن أفكاره تعجب مجلس إدارة شركة مرسيدس بنز، إلا أن أحواله تحسنت بوجود هتلر، الذي اختار تصميمه لما يمتاز به من خصائص تمنح متعة القيادة من خلال القوة. وخطط هتلر لبناء مصنع جديد، نسخة ألمانية من مجمع نهر الروج الصناعي. تألَّفت قوة عمل هذا المصنع من السجناء العسكريين الألمان، ونزلاء معسكرات الاعتقال وأسرى الحرب البولنديين، والروس. وكانت المدينة التي نشأت حول المصنع تشبه معسكرات الاعتقال بما يحدث فيها من انتهاكات.13

لم تجتَزْ سيارة الشعب مرحلة النموذج المبدئي قط. كان المصنع ينتج نوعًا من السيارات الألمانية تشبه سيارات الجيب أثناء الحرب إلى أن استولى عليه الجيش البريطاني عام ١٩٤٥؛ فأعاد الجيش تسمية السيارة باسم فولكس فاجن، وأمر بطلبية من ١٠ آلاف سيارة، ثم عرض المصنع على شركات صناعة السيارات البريطانية، التي سخرت من شكل فولكس فاجن المضحك. ولم ينل المصنع إعجاب شركة فورد أيضًا، ولا شركات صناعة السيارات الفرنسية؛ فأعيد المصنع للحكومة الألمانية.

في هذه الأثناء اعتُقل فرديناند بورشه لمدة عشرين شهرًا بوصفه مجرم حرب، واعتقلت الحكومة الفرنسية لويس رينو — أحد كبار رجال صناعة السيارات — بتهمة التعاون مع حكومة فيشي النازية، وتوفي رينو في السجن. كان تورط صانعي السيارات هذين في الجريمة يشكل فضيحة مدوية لم يكن من الممكن تجاهلها من جانب ألمانيا أو الدول التي انتصرت عليها. كان فيري نجل بورشه سياسيًّا، لكنه كان — كأبيه فرديناند — مصممًا بارعًا. ولما كان فيري بحاجة ماسة لتدبير المال اللازم لإطلاق سراح والده، صنع سيارة رياضية. وأصبحت بورشه ٣٥٦ أول سيارة تحمل اسم بورشه، الذي سرعان ما ارتبط بسلسلة من الطرازات الفارهة.

شركة بورشه

طلبت الحكومة من شركة بورشه أن تعمل على تصميم فولكس فاجن ومنحتها عائدات على كل المبيعات المستقبلية للسيارة التي صارت تسمى بيتل (الخنفساء) تقديرًا لشكل فولكس فاجن المميَّز. في السنوات التي تلت ذلك، أنتجت شركة بورشه ما يقرب من مائة ألف سيارة طراز ٣٥٦، وفي الوقت نفسه خرجت ٢٠ مليون سيارة بيتل فولكس فاجن من خط الإنتاج لتجوب الشوارع في كل بلدان العالم. في تسعينيات القرن العشرين ظهر بورشه آخر، هو حفيد فرديناند المدعو فرديناند بيش، وهو من أخرج فولكس فاجن من الركود المالي، جاعلًا إياها واحدة من أكبر أربع شركات تصنع السيارات في العالم. ويُعزى الفضل في عودة انتعاش ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية إلى حد كبير لهذه النجاحات، فقد صارت وظيفة من كل سبع وظائف في الدولة تعتمد على صناعة السيارات في شركات فولكس فاجن، أو ديملر بنز، أو بي إم دابليو التي تسيطر على السوق.
لم يكن معدل النمو في أوروبا الغربية بعد عام ١٩٥٠ ليستمر من دون تدفُّق دفعات جديدة من المهاجرين، على الرغم من أن الزراعة الأوروبية واصلت توفير العمال الزراعيين نتيجة لاتجاه أصحاب المزارع الأوروبيين إلى استخدام الميكنة الزراعية. وقد أسفر الاضطراب السياسي إلى جانب الصعوبات الاقتصادية عن سيل من اللاجئين الذين اجتذبتهم بلدان أوروبا الغربية لوفرة الوظائف فيها. وأصبح نقص العمالة حادًّا جدًّا في ستينيات القرن العشرين بدرجة جعلت إنجلترا وألمانيا وفرنسا وسويسرا وبلجيكا تدعو إليها «العمال الوافدين» من البرتغال وإسبانيا وإيطاليا واليونان ويوغوسلافيا وتركيا وشمال أفريقيا.14 استقبلت إنجلترا المهاجرين من بلدان الكومنولث في منطقة الكاريبي بينما هاجر بعض الإنجليز والاسكتلنديين إلى نيوزيلندا وأستراليا. ووجد اليهود الناجين من معسكرات اعتقال هتلر أوطانًا جديدة في أوروبا الغربية والولايات المتحدة ودولة إسرائيل الجديدة التي تأسست عام ١٩٤٨ على الأراضي الفلسطينية السابقة. وظلت موجة الهجرة إلى الولايات المتحدة قوية بعد الحرب العالمية الثانية، لكن عدد الوافدين من بلدان آسيا وأمريكا الوسطى كان أكبر من الوافدين من أوروبا.
وجد المهاجرون إلى دول أوروبا الغربية وظائفَ نتيجة لنموها الاقتصادي القوي جدًّا، لكنهم لم يجدوا وضعًا مريحًا في المجتمع الذي اختاروه؛ إذ لم تكن دول أوروبا تعتبر نفسها «أراضي للمهاجرين» — كما هي الحال بالنسبة للولايات المتحدة — وكانت تقاوم اندماج الوافدين الجدد في نسيجها. وكان العمال الوافدون ينزعون إلى اتخاذ مناطق سكنية منفصلة عن بقية فصائل المجتمع، وكذلك كان أبناء البلدان اللاتينية والأفارقة الأمريكيين يفعلون في الولايات المتحدة. وعندما تباطأ النمو — كما حدث في أواخر سبعينيات القرن العشرين — ظهرت المطالبات بإعادة هؤلاء «الضيوف» إلى أوطانهم.15 أيضًا كان وجودهم يشجع تكوين الأحزاب السياسية المعادية للأجانب. ومع ذلك، كان النقص طويل الأمد في الأيدي العاملة يلوح في الأفق بعد أن خبت جذوة زيادة المواليد التي سادت في الفترة بين ١٩٤٦ و١٩٦٠، وانخفضت معدلات المواليد في أوروبا على نحو متسارع. خلال ستينيات القرن العشرين كانت الدول في جميع أنحاء أوروبا قد وصلت إلى معدل استبدال (هو معدل المواليد الذي يحل محل عدد حالات الوفيات في المجتمع) يقل عن ٢٫١؛ فقد أدى الرخاء واتساع نطاق وظائف المرأة إلى تغير الأعراف التي كانت سائدة خلال الألف سنة الماضية، وسرت عدوى صنع القرار الفردي من مركز الرأسمالية إلى مجتمعات بأكملها

اضغط على الرابط لقرائة باقي المقال
⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩

إرسال رد أو تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها