عصر تيمور ومدرسة هراة

2017-08-03

عصر تيمور ومدرسة هراة

ازدهرت المدرسة التيمورية ومدرسة هراة في نهاية القرن الرابع عشروفي القرن الخامس عشر، وكان أهم مركز لفن التصوير في عصر تيمور مدينة سمرقند التي اتخذها هذا العاهل مقرٍّا لحكمه منذ سنة ١٣٧٠ وجمع فيها أشهر الفنانين وأصحاب الصناعات الدقيقة، ولكن تبريز وبغداد ظلتا أيضًا من مراكز هذا الفن. وأما في عهد ابنه شاه رخ فقد أصبحت هراة محط رجال الفنانين وميدان عملهم. وقد كان تيمور محبٍّا للفن والأدب، على الرغم من شذوذه وفظاظته، بينما كان ابنه شاه رخ من أشد ملوك الفرس عطفًا على الفن والفنانين فلا غرو أن كان الفن في عصرتيمور وخلفائه اجتاز مراحل الاقتباس والاختيار من الفنون الأجنبية والتأثر بها، ووصل إلى عنفوان شبابه، وأصبح ما نقله عن غيره من الفنون جزءًا لا يتجزأ منه. وطبيعي أن عصرتيمور نفسه شهد مرحلة الانتقال من المدرسة الإيرانية المغولية إلى مدرسة هراة كما يظهر من مخطوطين محفوظين في المتحف البريطاني. وأخطرهما شأنًا نسخة من قصائد خواجو كرماني في الحديث عن غرام الأمير الإيراني هماي بهمايون ابنة عاهل الصين. وقد كتبت هذه النسخة بقلم الخطاط الإيراني المشهور مير علي التبريزي في بغداد سنة ٧٩٩ ه/ ١٣٩٦ م. وقد جاء في إحدى صور هذا المخطوط إمضاء المصور الإيراني جنيد السلطاني الذي كان في خدمة السلطان أحمد من السلاطين الجلائيريين ببغداد. وقد كان الجلائيريون أسرة مغولية سادت العراق في القرن الرابع عشر واشتغل أحد أمرائها — وهو السلطان أويس — بالتصوير وكان له فيه شأن يذكر. ومهما يكن منشيء فإن الصور التي ترجع إلى نهاية القرن الرابع عشرتظهر فيها أهم الزخارف والأساليب الفنية التي صارت في القرن التالي من أخصمميزات التصوير الإيراني في مدرسة هراة.

وأهم هذه الأساليب الفنية مناظر الزهور والحدائق، وآثار فصل الربيع، ثم الألوان الساطعة التي لا يكسر من حدتها تدرج ما، ثم الأشجار الطبيعية ذات الجبال والتلال المرسومة على شكل الأسفنج. وفضلًا عن ذلك فإن الفنانين استطاعوا الوصول إلى نسب معقولة بين الأشخاصالمرسومين في الصورة وبين ما يحيط بهم من عمائر ومناظر. ومن مقتنيات دار الكتب مخطوط نفيس من كتاب الشاهنامة للفردوسي (رقم ٧٣ تاريخ فارسي) كتبه لطف لله بن يحيى بن محمد في شيراز سنة ٧٩٦ ه/ ١٣٩٣ م، وفيه صحيفة مزخرفة وسبع وستون صورة تختلف في قيمتها الفنية، فبعضها لم يكمل بعد، والبعضالآخر أعيد بالألوان على أجزاء منه في عصرمتأخر، أو نقش كله من جديد. وعلى كل حال فإن العصرالذهبي للتصوير الإيراني إنما يبدأ في عهد خلفاء تيمور ابنه شاه رخ وحفدته بيسنقر وإبراهيم سلطان وإسكندر بن عمر شيخ، إذ أصبحت للصور الإيرانية في عصرهم ذاتية قوية تمثل روح الفن الإيراني، بعد أن هضم كل ما استعاره من أساليب الفنون في الشرق الأقصى. ومما ساعد على كثرة الإنتاج وإتقان الصور في عصرخلفاء تيمور أن الدولة كانت مقسمة إلى أقاليم مختلفة يحكمها أمراء لهم نصيب وافر من الاستقلال ولهم حاشية وبلاط كما للعاهل الأكبر الذي كان يشرف على إدارة القطر كله، ولذا فقد نشأت مراكز فنية عديدة كانت تتنافس في سبيل النهضة بالفنون ولا سيما التصوير. وقد أسس شاه رخ مكتبة في مدينة هراة التي أصبحت في عصره أخطر مراكز التصوير شأنًا. ثم جاء ابنه بيسنقر فأنشأ مكتبة أخرى ومجمعًا للفنون استقدم إليه أعلام الخطاطين والمذهبين والمصورين والمجلدين فانتقلت صناعات التصوير والتذهيب من تبريز وسمرقند وشيراز إلى هراة. ومن المصادفات التاريخية التي ساعدت على نمو الروابط بين الصين وإيران أن سقوط أسرة المغول في إيران سنة ١٣٣٦ م تبعه بعد فترة قصيرة سقوط أسرة يوان المغولية في الصين وقيام أسرة منج التي حكمت من سنة ١٣٦٨ إلى ١٦٤٤ فكان طبيعيٍّا أن ينشأ الود المتبادل بين الأسرتين الجديدتين بعد نجاحهما في تقويض نفوذ المغول. وتبودلت البعثات بين الصين وإيران في عصر شاه رخ وبيسنقر. ومن الذين أوفدوا في إحدى هذه البعثات بيسنقر مصور اسمه غياث الدين، كلفه عاهل إيران أن يصف كل ما يراه في طريقه وقد وصلنا هذا الوصف في كتاب اسمه مطلع السعدين، كتبه بالفارسية كمال الدين عبد الرازق ونقله إلى الفرنسية المستشرق كترمير. وأكبر الظن أن هذه البعثات

كانت تعود من الصين بكثير من المنتجات الفنية في تلك البلاد، كما كانت تحمل إليها بدائع التحف المصنوعة في إيران. والواقع أن الآثار الفنية من مدرسة هراة تشهد بتأثير قوي للفنون الصينية ولا سيما في جلود الكتب التي كانت الحيوانات الخرافية الصينية من أهم عناصرالزخرفة فيها. ومن المخطوطات التي تحتوي على صور مشهورة تنتمي إلى هذه المدرسة مخطوط كتب لشاه رخ في مدينة هراة سنة « معراجنامه » من كتاب فارسيعن قصة المعراج اسمه ٨٤٠ ه/ ١٣٤٦ م، ومحفوظ الآن في المكتبة الأهلية بباريس. وتمتاز صور هذا المخطوط بأن جلها مربع الشكل ومستقل عن المتن ولكن فيها تكرارًا إذ إن أكثرها يمثل النبي عليه الصلاة والسلام راكبًا البراق تحف به الملائكة ويتقدمه سيدنا جبريل ويسير الركب في السموات ويقابل الأنبياء والرسل، والملاحظ في رسوم النبي وأصحابه أن السحنة وتقاطيع الوجوه تدل على أصل عربي، بينما يظهر التأثير الصيني في رسوم الملائكة بوجوههم المستديرة وعيونهم الصغيرة المنحرفة، كما يظهر أيضًا في رسوم السحب الصينية التي تغطي أرضية الصور. وفي دار الكتب المصرية مخطوطان من طراز هذه المدرسة أولهما من كتاب جمشيد وخورشيد (رقم ١٥٦ أدب فارسي) وقد فرغ من كتابته عماد خباز سنة ٨٤١ ه/ ١٤٣٨ م وفي أول المخطوط صحيفتان مذهبتان غاية في الجمال والإبداع، ولكن الصورة الوحيدة فيه غير متقنة الصنعة ويظهر أنه قد أعيد نقشها بالألوان في عصرمتأخر. أما المخطوط الثاني فنسخة من كتاب الشهنامة للفردوسي (رقم ٥٩ تاريخ فارسي)، كتبها محمد السمرقندي سنة ٨٤٤ ه/ ١٤٤٠ م وفيها خمس وستون ومئة صورة، ولكن أكثرها أعيد نقشه في عصر متأخر فقلَّت قيمته الفنية. والواقع أن دار الكتب المصرية ليست غنية بالمخطوطات المصورة بالرسوم الإيرانية أو الهندسية وما فيها ليس من نوع طيب، اللهم مخطوط واحد فيهصور لبهزاد ويعلو مستواه كثيرًا عن سائر المخطوطات المصورة فيها، والتي تبلغ زهاء الخمسين، ولكن دار الكتب بمصريحق لها أن تفخر بمجموعتها الفنية بالمصاحف الكبيرة المذهبة. ويجدر بنا أن نلاحظ أن الصور الإيرانية في القرن الخامس عشر تنسب عادة إلى هراة لأن هذه المدينة كانت أهم ميدان لفن التصوير في ذلك العصر. ومع ذلك فقد كان كثيرون من أعلام المصورين ينتقلون في الدولة الإيرانية من بلد إلى بلد، وكانت المراكز الفنية المختلفة تتبادل المصورين المشهورين. ومن ثم فإننا لا نكاد نجد فرقًا بين الصور

التي كانت تصنع في هراة والصور التي كانت تصنع في المدن الإيرانية الأخرى كشيراز، اللهم إلا في ما كان من ريشة غير الممتازين من رجال الفن، لأن مثل هؤلاء مثل الصانع الريفي الذي تظل آثاره الفنية — إنصح تسميتها بهذا الاسم في أغلب الحالات — متأخرة عن آثار زملائه في المدن ممن يتطورون ويسيرون بخطًى أوسع في سبيل التقدم ومسايرة العصر. وهكذا نرى أن التصوير الإيراني في عصر تيمور وخلفائه خطا الخطوة الأخيرة في سبيل الكمال الذي بلغه على يد بهزاد وتلاميذه من الذين حملوا لواء هذا الفن في صدر الدولة الصفوية. وذلك على الرغم من أن العاهلية التيمورية دب فيها الانحلال بعد وفاة شاه رخ وبدء النزاع بين خلفائه، حتى استولت قبائل التركمان على غربي إيران وقامت دولة الأوزبك في بلاد ما وراء النهر، بل واستطاعت أن تقضيعلى نفوذ خلفاء تيمور فيشرقي إيران. ولكن هراة ظلت عاصمة التيموريين الذين تقلصنفوذهم بغير أن يؤثر ذلك في ازدهار صناعة ١٥٠٦ ) من العصور الذهبية لتلك – التصوير، فكان حكم السلطان حسين بيقرا ( ١٤٦٨ المدينة في الأدب والفن، وكان هو ووزيره مير علي شير من أكبر رعاة التصوير في التاريخ الإيراني حتى ظهر في خدمتهم بهزاد صاحب الآثار الفنية البديعة في التصوير الإسلامي.

اضغط على الرابط لقرائة باقي المقال
⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩

إرسال رد أو تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها