عقبات في طريق أدوات الأسعار

2017-07-29

عقبات في طريق أدوات الأسعار

 

العوائق التى تواجهها الدول فى فرض ضريبة كربون

أحد العوائق التي تحول دون استخدام تسعير الكربون أو فرض الضرائب في خفض الانبعاثات الصناعية من غازات الدفيئة هو المعارضة الصريحة التي تبديها المجموعات الصناعية، خشية أن تضر التكاليف الإضافية للصناعة بتنافسية الشركات في الأسواق الدولية. فإذا فرضت الدول الأوروبية ضريبة كربون على استخدام الطاقة في الصناعة في حين لم تفعل الدول الأخرى مثلها، فسيكون على الشركات الأوروبية أن تنافس شركات خارج أوروبا لا تتحمل عبء ضريبة الكربون نفسه. وقد تصاعدت المخاوف نفسها فيما يتعلق بطرح رخص الكربون للبيع في مزادات علنية: سيضطر المصنِّعون لدفع المزيد من الأموال مقابل الطاقة، وهذا قد يضر بقدرتهم على المنافسة.
اتسم خطاب ممثلي جماعات الضغط من المصنعين في هذا الصدد بالإصرار والتأثير، لكن خبراء الاقتصاد متشككون بصفة عامة بشأن هذه الحجة لسببين رئيسيين: أولًا؛ أنها تتناول بعض جوانب الموضوع فقط؛ حيث ستسمح أي عائدات من ضرائب الكربون بخفض الضرائب الأخرى، وبهذا يمكن التعويض عن التأثير النهائي على المصنعين جميعهم بسهولة من خلال الخفض الذي يتحقق في الضرائب الأخرى التي يتحملها المصنعون؛ مثل ضرائب الكسب على الموظفين. السبب الثاني هو أنها تغفل إمكانية التعديلات التي تطرأ على سعر الصرف، التي من شأنها أن تعوض عن ارتفاع تكاليف الإنتاج. فإذا أخذنا هذين العاملين التعويضيين في الاعتبار، فسيظل الاحتمال قائمًا بأن تقلل ضريبة الكربون تنافسية الصناعات والشركات كثيفة الكربون ولكن بدرجة أقل، في حين ستحقق القطاعات الصناعية منخفضة الكربون في الواقع بسبب التعديلات ربحًا أكبر مما ستخسره بسبب ضريبة الكربون.
ثمة عقبة سياسية ثانية ستواجه ضرائب الكربون المرتفعة هي تأثيرها على مستوى معيشة الأسر الأفقر. ففي ظل مناخ أوروبا الشمالية البارد الرطب، تُعتبر الطاقة اللازمة للتدفئة شبه ضرورية، ويقتطع الإنفاق على الطاقة جزءًا كبيرًا من الميزانية الإجمالية للأسر الأفقر. ومن ثم، ستؤثر زيادة الضريبة على الطاقة على الأسر الأفقر تأثيرًا سلبيًّا أعمق وأقوى من تأثيرها على أصحاب الدخول المتوسطة وميسوري الحال الذين تمثل الطاقة نسبة أصغر بكثير من إنفاقهم الكلي. ولكن كما هو الحال مع ضرائب استخدام الطاقة في الصناعة، يصبح التركيز على ضرائب الطاقة الإضافية المدفوعة تحليلًا منقوصًا. فستدر الضرائب المفروضة على الاستخدام المنزلي للطاقة أو الكربون عائدات ضخمة، ويمكن استخدامها في تمويل خفض الضرائب الأخرى التي يمكن أن تعوض بشكل كبير عن التأثير السلبي على مستوى معيشة الأسر الأفقر.

أدوات غير متعلقة بالأسعار

رغم هذه الحجج، ربما لا تزال المخاوف بشأن تأثيرات ضرائب الكربون على التنافسية في الصناعة أو على الأسر الأفقر تشكل قيودًا سياسية على مدى إمكانية الاستفادة من ضرائب الكربون وتسعير الكربون للحد من انبعاثات غازات الدفيئة. وعندها قد يستهوينا البحث عن أدوات من شأنها أن تكمِّل تسعير الطاقة، ولا سيما تلك الأدوات التي ستزيد وفورات الكربون التي تتحقق من خلال أي مستوى من مستويات فرض الضرائب.
كما لاحظنا بالفعل، ستحدد سرعة استحداث تقنيات منخفضة الكربون أو منعدمة الكربون إلى أي مدى وبأي سرعة يمكن أن يأمل العالم في خفض انبعاثات الكربون. وتحديد سعر كبير لاستخدام الكربون سيشجع في حد ذاته على تحقيق مزيد من الابتكارات السريعة في مجال التقنيات الموفرة للكربون. إضافة إلى ذلك، ستعمل تدابير تعجيل استحداث التقنيات منخفضة الكربون على إتاحة مجال أكبر للمصنعين والأسر لتقليل استهلاكهم من الطاقة، وذلك عن طريق توفير بدائل منخفضة الكربون للأجهزة الصناعية والمنزلية المستخدمة حاليًّا. ويمكن للدعم الذي تقدمه الحكومات أن يعجِّل من برامج البحث والتطوير العلمية والصناعية، وإذا أُتيحت الابتكارات التي تدعمها الحكومات للجمهور، فسيشجع هذا على انتشار التقنيات الجديدة بسرعة أكبر مما لو كانت ممولة من قِبل جهات خاصة وحاصلة على براءات اختراع بهدف تحقيق أرباح خاصة.
في بعض قطاعات استخدام الطاقة، توجد مخاوف من أن تكون تقنيات توفير الطاقة المتاحة حاليًّا نفسها لا تُستخدم بكامل إمكاناتها. فغالبًا ما يخشى البعض مثلًا من تباطؤ كل من الأسر والمصنعين في استخدام التقنيات التي تحسن من ترشيد استخدام الطاقة. قد يرجع هذا إلى نقص المعلومات أو إلى عدم قدرة صاحب الاستثمار على جني كل المنافع (قد يتعذر على صاحب العقار الذي يغطي شقة بطبقة عازلة رفع قيمة إيجار الشقة ليسترد تكاليف العزل، رغم أن المستأجرين قد يجدون أن فواتير الطاقة التي يدفعونها انخفضت)، أو إلى أن بعض الأسر أو الشركات لا تستطيع ببساطة تحمل التكاليف التي تُدفع مقدمًا في استثمارات ترشيد استخدام الطاقة. يمكن أن نعزو بعض هذه العوائق إلى صور متنوعة من «إخفاق السوق»، وثمة أسباب وجيهة تدفع الحكومات إلى محاولة تصحيح هذا الإخفاق السوقي عن طريق صور عديدة من التدخل السياسي. ومن بينها نجد عادةً حملات التعريف، وتوفير مستشارين في مجال ترشيد استخدام الطاقة مجانًا، ووضع إجراءات أكثر صرامة لتنظيم البناء لفرض معايير أعلى للمنازل الجديدة، و«تصنيفات طاقة المنازل» حتى يتمكن مستأجرو المنازل أو مشتروها المحتملون من معرفة تكاليف تشغيل الطاقة في العقار، وإعطاء القروض أو المنح للأفراد غير القادرين على تحمل تكاليف استثمارات ترشيد استخدام الطاقة.
رغم ذلك، يلزم التنبيه بشأن سياسات ترشيد استخدام الطاقة؛ فهذه السياسات تعِد بتحقيق انخفاضات في الانبعاثات زهيدة نسبيًّا ومضمونة، بدون بعض التأثيرات الاجتماعية الضارة التي قد تترتب على ضرائب الطاقة المرتفعة. ويحقق إمداد المنازل بمصابيح إضاءة أقل استهلاكًا للطاقة مثلًا نسب خفض قابلة للقياس في استهلاك الطاقة؛ حيث يوفر المصباح منخفض الطاقة الذي يعمل بقدرة ٢٠ وات الإضاءة نفسها التي يوفرها المصباح المتوهج القديم الذي يعمل بقدرة ١٠٠ وات، وبهذا يصبح من الممكن تقليل الطاقة المستهلكة في إضاءة المنازل بنسبة ٨٠٪. لكن هذا التقدير الفني المحض لوفورات الطاقة يغفل استجابات المستهلكين المحتملة، وهي قد توازن بعض وفورات الطاقة أو جميعها. في الواقع، تعمل الأجهزة المرشدة للطاقة على تقليل سعر التدفئة والإضاءة والخدمات الأخرى التي تقدمها الأجهزة المستهلكة للطاقة. فإذا انخفضت تكلفة الإضاءة بنسبة ٨٠٪، فقد تختار الأسر استخدام مصابيح أكثر سطوعًا، أو ترك المصابيح مضاءة لفترات أطول، وهذه الاستجابات ستقلل الوفورات. وبالمثل، قد يُترجم جزء من المكاسب التي يحققها عزل المنازل بكفاءة أفضل في صورة مزيد من الراحة، وذلك برفع منظم الحرارة إلى درجة أعلى، بدلًا من أن تُترجم كليةً في صورة دفع فواتير أقل قيمة. فلا يمكننا أن نتوقع تحييد هذا التأثير المسمى «بالتأثير الارتدادي» على الاستهلاك، وأن تحسين ترشيد استخدام الطاقة سيخفض من استهلاك الطاقة وانبعاثات الكربون إلا إذا صاحب تحسينات ترشيد استخدام الطاقة ارتفاع في أسعار الطاقة.

اضغط على الرابط لقرائة باقي المقال
⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩

إرسال رد أو تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها