علم الفلك – الفلك التقليدي

2016-04-28

علم الفلك – الفلك التقليدي

ارتبط اهتمام الإنسان بعلم الفلك على أساس روحاني، و هذا يبدو في كثير من الآثار التي خلفتها الحضارات السابقة فالحضارات السابقة الكافرة خلطت أرصادها و معرفتها الفلكية بالشعوذة و التنجيم، أما الحضارات المؤمنة فقد وجعت معرفتها الفلكية للاستدلال على وحدانية الله و قدرته مستخدمة إياه في معرفة الوقت و حساب التقاويم و الاتجاهات. و لهذا يمكن تقسيم الفلك التقليدي غلى فلك خرافي و فلك علمي.

الفلك الخرافي

نتج هذا النوع من علم الفلك بسبب اتباع الانسان هواه و اغواء الشيطان له حتى تكبر عن عبادة ربه و أشرك في عبادته، ورغم أن الانسان مفطور و بطبعه على عبادة الله الا ان بعض الحضارات قد ألهتها الكواكب والنجوم عن عبادة الله و أشركتها له في العبادة كما فعل اليونانيون و الفراعنة ظانين أن لها قوة تؤثر بها على حياة البشر كعرب الجزيرة العربية في الجاهلية، و قد كون أقل هذه الحضارات انحرافا، تلك التي عملت بالتنبؤ بالغيب أو ما يسمى بالتنجيم الذي كان له أهمية كبرى لدى أغلب الأمم السابقة، حيث كان الكهنة و المنجمون بتنبؤون (عن طريق الملاحظة و الرصد الدقيقين) بالمواسم الزراعية و الفصلية و بأوقات فيضانات الأنهار و كسوف الشمس و خسوف القمر مستغلين جهل الناس  بهذا الانتظام في الدورات الطبعية لهذه الظواهر، وقد استغل الكهنة و المنجمون هذه المعرفة و أضافوا لها ما يأتيهم به الجين، جاعلين لعملهم قداسة و سرية لا يرقى إليها إلا المقربون و المحظوظون من الناس، و قد زعموا كذلك أن هناك علاقة بين حياة البشر و حركة الأجرام السماوية، ثم خصصوا هذه العلاقة بحياة الملوك و العظماء مما جعل الدول تدعمهم بالمال و التقدير، و قد بلغ تأثر الناس بالتنجيم أن الحضارات ذات الديانات السماوية كانت تهتم به كثيرا، و يدل على ذلك ارتباط حياة فرق يهودية بما توحيه حركة النجوم، و تعلم كثير من القساوسة و التنجيم للإرشاد به.

 و على الرغم من أن المنجمين قد أساءوا كثيرا إلى سمعة علم الفلك و المختصين فيه الا أنه كان لعلمهم جانب ايجابي، حيث أن رصد الأجرام السماوية بانتظام حركتها يتفق في دقة ملاحظتها العالم و الخرافي، و حيق أن الدول قديما قد أتاحت للراصدين الفرص و الإمكانات فقد تركوا لنا كما هائلا من الأرصاد و الحسابات الدقيقة التي تدل على أهمية ما وصل إليه هؤلاء من علم كان له فائدة عظمى في التأكد من الكثير من النظريات الحديثة التي تصف حركة الكون.

الفلك العلمي

اختلطت النتائح العلمية الفلكية منذ القدم مع الفلك الخرافي، مما جعل المهتمين بالفلك من دراسين و غيرهم يتأثرون إلى درحة ما بالفكر الخرافي، و قد تكون بعثة الرسول و إنزال القرآن الكريم أول فصل كتابي واضح بين الفلك الخرافي و الفلك العلمي. فبين القرآن الكريم أن الله خلق السماوات و الأرض  أنها ليست ذاتية الإرادة، كما نهانا عن اتباع المشركين، قال تعالى: <<خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۚ تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُون>>النحل الآية (3)، كما أرشدنا إلى بعض الحقائق العلمية، مثل أن الشمس ذات ضوء مشع أي مشتعلة و القمر ذا نور بغير حرارة أي يعكس الضوء كما دعانا إلى التعلم و الحساب لمعرفة السنين، قال تعالى : <<هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ>>يونس الآية (5)، و علمنا رسول الله أن الظواهر الفلكية لا تؤثر على حياة اليبشر بذاتها و إنما هي دلالات على قدرة الله، فلا الكسوف الشمسي أو الخسوف القمري يحدثان لموت أحد من الناس ولا لحياته.

 من هذا المنهج الفريد و هذا التصور الإيماني انطلق علماء المسلمين يدرسون الفلك فأبدعوا و طوروا ناظرين في الفلك نظرة إيمانية علمية مجردة من الخزعبلات التي التصقت به منذ القدم، فقامت المراصد و المكتبات العلمية المتخصصة، كما صنعت أجهزة الرصد الدقيقة لقياس مواقع الأجرام السماوية و حركتها كالاسطرلاب الذي طور كثيرا في أيامهم، مطيعين أومر الله في تدبر هذا الكون و دراسة انتظام حركته و حساب المواقي للصلاة و الزراعة و غيرها من أمور الحياة، كذلك درسوا اتجاه القبلة و الاتجاهات الاخرى ليستفيدوا منها في السفر في الصحراء و الملاحة البحرية، ثم توجهوا في اهتماماتهم بعد ذلك لدراسة النجوم و ألوانها و ازدواجها و اهتموا بالمذنبات و الكواكب و القمر و غيرها من الظواهر الفلكية، و قام علماء الفلك من المسلمن بوضع أسس حسابية دقيقة جدا لحركة الأجرام السماوية و وضعوا لها جداول و تقاويم رياضية، كما طوروا أساليبا رياضية اخرى لحساباتهم تلك. إما لتسريع العمليات الحسابية و إما لجعلها أكثر دقة. و تستخدم هذه الأساليب الآن في الحاسبات الآلية. كما أن نتائج حسابات العلماء المسلمين القدماء أثبتت دقتها بمقارنتها بالوسائل العلمية الحديثة، وقد بلغ علم الفلك مكانة عظيمة عند المسلمين، حتى اعتبروه من أهم فنون العلم و المعرفة و أكثرها فائدة و جدوى بعد العلوم الشرعية قطعا، قال به الإمام ابن القيم و غيره من العلماء.

وعندما ابتعد المسلمون عن دينهم و تأثروا بالفلسفات الأخرى البعيدة عن دينهم كالفارسية و الهندية و اليونانية انحط انتاجهم العلمي فعاد الفلك الخرافي، و مع مرور الزمن فقد المسلمون اهتمامهم بالانتاج العلمي في جميع المجالات العلمية إلاعلى نطاق يكاد يكون فرديا، فتلقف الاوروبيون لواء المنهج العلمي من المسلمين و استخدموه أثناء ثورتهم على الكنيسة، فطوروا ما وصل إليهم من علوم المسلمين بدءاً بالتجربة و التعليق، فنسب الأمين منهم ما أخذ من المسلمين إليهم يعترف بفضل المسلمين العلمي، إما لخوف من الكنيسة أو لعدم الأمانة، و لكن لو حاول الجميع نسيان مجهود المسلمين في العلوم كلها و في الفلك خاصة لما استطاعوا، فبصماتهم واضحة في علم الفلك، فمن الأسماء العربية لكثير من الأجرام السماوية، إلى المصطلحات العلمية العربية و التي لا زالت تستخدم الى الآن في جميع اللغات بألفاظها العربية، هذا بالإضافة إلى أن الكثير من القوانين و العلاقات الرياضية التي تعد الأساس لكثير من القوانين الرياضية الآن كانت من إنتاج العلماء المسلمين.

كان لاضطهاد الكنيسة للعماء أثر سلبي على أسلوبهم العلمي، فمنهم من عاد إلى الفلسلة اليونانية الوثنية و تأثر بها في تفسيره للظواهر الفلكية، و منهم من ألحد و توجه لدراسة الكون على أنه ذاتي الارادة، أو أنه وجد صدفة، اما الذين لم يريدوا إغضاب الكنيسة فكانوا يبعدون الدين عن تفسيراتهم العلمية مقتربين من الملحدين في تصوراتهم، هذا الضعف في التثور للكون جعل الفلكيين الأوربيين يخلطون مرة أخرى بين الفلك العلمي و الخرافي، فتجد أدف الراصدين – و الذين اعتمد على جداولهم في تطوير علم الفلك – يكسبون رزقهم عن  طريقا لتنبؤ بالغيب لذا لم يأخد الأوروبيون المنهج الإسلامي العلمي كاملا، بل استفادوا من أسلوبه التجريبي و القبول بالملاحظة و الأرصاد. و قد أهلت الاستفادة من المنهج الإسلامي الأوروبيين لتطوير علم الفلك من حيث الأرصاد و تطوير الأجهزة، فصنع المنظار الفلكي، و اكتشفت أجرام سماوية لم تعرف من قبل، كما طُورت الأساليب الرياضية فتوصل إلى تعريف أدق للكون و حركة الكواكب ، حتى بُدء بالتنبؤ بكواكب جديدة حسابيا، و أصبح الفلك يدخل عالما حديثا أخرجه عن حدود المجموعة الشمسية و النجوم، فاكتشفت المجرات و المتوهجات، و استحدث الرصد الراديوي و هذا ما يسمى بعصر الفضاء.

 


إرسال رد أو تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها


تابع المنتجات

اشترك الان سوق مايوز