على مرأًى من البحيرة

2017-02-03

على مرأًى من البحيرة

ذهبت سيدة إلى طبيبتها لتجديد تذكرتها الطبية، إلا أنها لم تجدها؛ إذ كان هذا يوم عطلتها. في واقع الأمر، ذهبت السيدة في اليوم الخطأ؛ فقد اختلطت عليها الأيام ولم تُفرِّق بين يوم الإثنين ويوم الثلاثاء.

كان ذلك هو الأمر الذي أرادت أن تتحدَّث مع طبيبتها بشأنه، إلى جانب تجديد تذكرتها الطبية. أرادَتْ أن تعرف ما إذا كان عقلها قد بدأ ينسى قليلًا.

توقَّعَتْ أن تقول لها الطبيبة: «يا لها من مزحة! عقلك أصح من عقل الجميع.»

(ليس هذا لأن الطبيبة كانت تعرفها جيدًا إلى هذه الدرجة، ولكن لأن هناك العديد من الأصدقاء المشتركين فيما بينهما.)

بدلًا من ذلك، تلقَّتِ السيدة — التي كانت تُدعَى نانسي — مكالمةً هاتفية من مساعدة الطبيبة لتخبرها بأن تذكرتها الطبية جاهزة، وأنه قد تم ترتيب موعدٍ لها لفحصها من قِبَل اختصاصيٍّ فيما يتعلَّق بالمشكلة العقلية تلك التي تعاني منها.

لم يتعلق الأمر بعقلها، وإنما فقط بذاكرتها.

وأيًّا كان الأمر، كان هذا الطبيب متخصِّصًا في علاج المرضى المسنين.

في واقع الأمر، علاج المرضى المسنين الذين لديهم مشكلة في عقولهم.

ضحكت الفتاة. أخيرًا، هناك مَن ضحك.

وأخبرتها أن مقر عمل الاختصاصي يبعد عن المكان الذي تقطن فيه نانسي بعشرين ميلًا أو قرابة ذلك، في قرية تُسمَّى هايمن.

قالت نانسي: «أوه، يا عزيزتي، هل هو اختصاصي في الشئون الزوجية؟» (كان هجاء اسم القرية هو Highman، لكن نانسي مازحَتْها متظاهرةً بأنها سمعته Hymen التي تعني غشاء البكارة.)

لم تسمع الفتاة ما قالته، وطلبت منها بأدبٍ أن تُعِيده.

«لا عليكِ، سأكون هناك في الميعاد.»

ما حدث خلال السنوات القليلة الأخيرة هو أن الاختصاصيين تقع مقارُّ عملهم في أماكن متباعدة؛ فتجد أن اختصاصي الأشعة المقطعية الذي تتعامل معه موجودٌ في بلدةٍ ما، واختصاصي السرطان في بلدةٍ أخرى، واختصاصي المشكلات الرئوية في بلدةٍ ثالثة، وهكذا. وعلى الرغم من أنك لن تُضطر إلى الذهاب إلى المستشفى المركزي بالمدينة، فإن زيارة هؤلاء الاختصاصيين قد تستغرق منك نفس الوقت الذي كنتَ ستستغرقه إذا ذهبتَ لهذا المستشفى؛ نظرًا لأنه لا توجد مستشفيات في كل البلدات، وسيكون عليك البحث الدءوب عن مقر عمل الاختصاصي الذي تريده بمجرد وصولك إلى بلدته.

وكان هذا هو السبب وراء أن نانسي قرَّرَتِ الذهاب بسيارتها إلى القرية التي كان يعمل فيها اختصاصي المسنين — كان ذلك هو اللقب الذي قرَّرَتْ أن تُطلِقه عليه — في عشية اليوم السابق على موعدها معه. كان هذا سيمنحها متسعًا من الوقت لمعرفة مكانه تحديدًا، ومن ثَمَّ لن تُعرِّض نفسها للذهاب في حالةِ ارتباكٍ أو التأخُّر قليلًا عن موعدها، تاركةً انطباعًا سيئًا عنها من اللقاء الأول.

كان في إمكان زوجها الذهاب معها، إلا أنها كانت تعلم أنه يرغب في مشاهدة إحدى مباريات كرة القدم على التليفزيون. كان عالِمَ اقتصاد يشاهد المباريات الرياضية في النصف الأول من الليل، ويُمضِي النصفَ الآخَر في تأليف كتابه، على الرغم من أنه طلب منها أن تقول للناس إنه على المعاش.

أعرَبَتْ نانسي عن رغبتها في العثور على المكان بنفسها، وقد أخبرَتْها مساعِدةُ الطبيبة على الهاتف بكيفية الوصول إلى البلدة المرادة.

كان المساء بديعًا، ولكنها عندما تركت الطريق السريع، متَّجِهةً بسيارتها إلى الغرب، وجدَتْ أن الشمس انخفضت بالدرجة الكافية بحيث سطعَتْ في وجهها. إلا أنه كان باستطاعتها أن تُبقِي عينَيْها في الظل بجلوسها مستقيمةً على مقعدها ورفعها ذقْنَها لأعلى. كما كانت لديها نظارة شمسية جيدة، وكان بمقدورها قراءة اللافتة التي تشير إلى أن أمامها ثمانية أميال للوصول إلى قرية هايمن.

هايمن. كان ذلك هو اسم القرية؛ ليست هناك دعابة في الأمر. كان تعداد سكانها ١٥٥٣ نسمة.

لماذا هذه الدقة في كتابة التعداد؟

لا يوجد شخصٌ غير مهم.

كان من عادتها تفقُّد الأماكن الصغيرة من قبيل التسلية فقط، لترى ما إذا كان في مقدورها العيش هناك أم لا. وبَدَا أن ذلك المكان مناسِبٌ تمامًا؛ فهناك سوق كبيرة، حيث يمكنك شراء خضراوات طازجة إلى حدٍّ ما، بالرغم من أنها ربما لم تكن تُجلَب من المزارع المحيطة، وكذلك كان هناك مكانٌ جيد لتناول القهوة، وكانت هناك أيضًا مغسلة تعمل بالعملة، وصيدلية حيث يمكنك صرف تذاكرك الطبية، لكنْ لم يكن بها مجموعات المجلات الشهيرة التي قد ترغب في شرائها.

هناك شواهد بالطبع على أن ذلك المكان شهد أيامًا كان على حالٍ أفضل فيها؛ فهناك ساعة متوقِّفة عن العمل تعلو نافذة عرض متجرٍ تنمُّ عن أنه كان يُعرض بها مجوهرات، أما الآن فبَدَتْ مليئةً بأوانٍ خزفية وقدور ودلاء قديمة، وأكاليل سلكية مفكَّكة.

بدأت تتفحَّص بعض تلك النفايات لأنها اختارَتِ الوقوفَ بسيارتها أمام المتجر الذي كان يعرضها، ورأَتْ أنَّ في مقدورها أيضًا البحثَ عن مقر عمل ذلك الطبيب سيرًا على الأقدام. وما حدث بسرعة كبيرة وجعلها تشعر بالرضا هو أنها رأت على بُعْدٍ بنايةً ذات طابق واحد مبنية من قرميد بُنِّيٍّ، وبَدَا من طرازها النفعي أنها تعود للقرن الماضي، وكانت مستعِدَّةً للتخمين بأنها وجهتُها المقصودة؛ فقد اعتاد الأطباء في البلدات الصغيرة على جعل أماكن عملهم جزءًا من منازلهم، موفِّرين مساحةً كافيةً لانتظار سيارات مرضاهم، وكان هذا هو نوع البنايات التي يقيمون فيها. ها هو القرميد البني المائل للحمرة، وبالطبع اللافتة المكتوب عليها طبيب/طبيب أسنان، وساحة الانتظار التي توجد خلف البناية.

كان اسم الطبيب في قُصاصة ورقية موجودة في جيبها، فأخرجَتِ القصاصة لتقرأ ما فيها. كان مكتوبًا على باب البناية الذي كان من الزجاج البلوري الدكتور إتش دبليو فورثيز؛ طبيب أسنان، والدكتور دونالد ماكميلن؛ طبيب.

لكنْ لم يكن أيٌّ من هذين الاسمين مكتوبًا في القصاصة الورقية التي كانت مع نانسي، ولا عجب في ذلك؛ إذ لم يكن مكتوبًا على القصاصة سوى رقمٍ وحرفٍ؛ أ ٧٫٥. كان الرقم يمثِّل مقاس حذاء أخت زوجها، أوليفيا، التي تُوفِّيت. واستغرَقَ الأمرُ منها برهةً قبل أن تتذكَّر أن الحرف هو أول حروف اسم أوليفيا الذي دوَّنَتْه بسرعة، وتمكَّنَتْ بالكاد أن تتذكَّر أمرَ شراء أحذية لأوليفيا عندما كانت في المستشفى.

ليس لهذا فائدة على أية حال.

ربما تَمَثَّلَ أحدُ الحلول في أن الطبيب الذي كانت تقصده قد انتقَلَ مؤخرًا إلى تلك البناية، ولم يُغَيِّر بعدُ الاسمَ الذي على الباب الخارجي. كان عليها أن تسأل أحدهم، وكان عليها أن تدقَّ الجرسَ لتعرف إنْ كان أحد بالداخل، يعمل لوقت متأخر. فعلَتْ هذا، ومن حُسْن حظِّها إلى حدٍّ ما أن أحدًا لم يُجِبها؛ لأنَّ اسم الطبيب الذي كانت تقصده قد ذهب لِلَحظةٍ عن بالها.

فكرة أخرى راوَدَتْها؛ أَوَليس من الممكن جدًّا أن هذا الشخص — طبيب المجانين، كما اختارَتْ أن تُطلِق عليه في ذهنها — يدير عمله من المنزل؟ (أو أنها لم تفترض ذلك الاحتمال تلقائيًّا، مثل معظم الناس في عمرها) فهذا منطقي وأقل تكلفةً، وهو ليس بحاجةٍ إلى العديد من الأجهزة لعلاج المرضى العقليين.

ومن ثَمَّ، استأنفَتْ سَيْرَها بعيدًا عن الشارع الرئيسي، وها هو اسم الطبيب الذي كانت قد نسيَتْه عاد إلى ذاكرتها مرةً أخرى، وكان ذلك وارِدَ الحدوث في الأوقات التي تخلو من التوتر. شُيِّدت معظم المنازل التي كانت تمر بها في القرن التاسع عشر؛ بعضها كان من الخشب والبعض الآخَر من القرميد. وكانت البنايات القرميدية في الغالب مكونة من طابقين كاملين، أما الخشبية فكانت على نحوٍ ما أكثرَ تواضُعًا؛ حيث كانت مكوَّنةً من طابق ونصف، مع وجود سقف مائل في غُرَفِها العلوية. كان بعض الأبواب الأمامية مفتوحًا على بُعْد أقدام قليلة من الرصيف، والبعض الآخَر على شُرفات واسعة، عادةً ما تكون محاطةً بجدران من الزجاج. منذ قرنٍ مضى، في مساء مثل هذا، كان الناس سيجلسون في شُرفاتهم أو ربما على الدَّرَجَات الأولى أمام منازلهم. كانت ربَّاتُ المنزل ستجلس هناك بعد فراغها من غسيل الأطباق وتنظيف المطبخ، وكذلك الرجال بعد تجميع الخراطيم التي استخدموها في تندية حشائش حدائقهم بالماء. حينَها لم يكن ثمة أثاثُ حدائق، ذاك الذي لم يكن ليخلو من الناس مثلما هو الحال الآن، بل مجرد درجات خشبية أو بعض كراسي المطبخ. وكانت المحادثات في أغلبها ستدور حول الطقس، أو حصان هارب، أو شخصٍ أصبح طريح الفراش ولا يُتوقَّع له التعافي. كانوا سيبدءون التخمين بشأنها بمجرد أن تبعد وتصبح غير قادرة على سماعهم.

ولكنْ ألن تُرِيح فضولَهم حينها، وتتوقَّف لتسألهم مباشَرةً: رجاءً، هل يمكن أن تخبروني بمكان منزل الطبيب؟

موضوع جديد للحديث. ما حاجتها للطبيب؟

(كانوا سيتحدَّثون في هذا عندما لم يَعُدْ بإمكانها سماعهم.)

•••

الآن كان جميع الناس داخل منازلهم برفقة مراوحهم أو مكيِّفات الهواء خاصتهم. وظهرت الأرقام على المنازل، تمامًا كما هو الحال في المدن. ولم تكن توجد لافتة لطبيبٍ على أيٍّ منها.

ومع انتهاء الرصيف، كان هناك مبنًى قرميدي ضخم به جمالونات وبرج ساعة. ربما كان هذا المبني مَدرسةً، قبل أن يُنقَل الطلاب إلى مركز للتعلُّم أكثر اتساعًا وكآبةً. توقَّفَتْ عقاربُ ساعة البرج عند الثانية عشرة، صباحًا أو مساءً، ولكنها حتمًا لم تكن تشير إلى الوقت الصحيح. كما كانت هناك وفرة من أزهار الصيف التي بَدَتْ مُنسَّقةً بعنايةٍ؛ بعضها ممتد من عربة يدوية، والكثير منها من أحد جوانبِ دَلْوِ لبنٍ. وكانت هناك لافتة لم تتمكَّن من قراءة ما كُتِب عليها بسبب سطوع الشمس عليها مباشَرةً؛ لذا، اشرأَبَّتْ على المرج حتى تتمكَّن من رؤية المكتوب عليها من زاويةٍ أخرى.

بيت جنازات. كان بإمكانها الآن رؤية الجراج الذي ربما كانت تقبع فيه سيارة نقل الموتى.

لا مشكلة. كان عليها أن تواصِل البحث.

انعطفَتْ إلى شارع جانبي حيث كانت توجد أماكن منظَّمة بشدة حقًّا، ممَّا يُثبِت أنه حتى بلدة بهذا الحجم كان يمكن أن تكون لها ضاحية سكنية. اختلفت المنازل هناك قليلًا بعضها عن بعض، إلا أنها بصفةٍ عامة كانت بنفس الشكل؛ دُهِنت جدرانها الصخرية بدهان رقيق والقرميدية بلون فاتح، أما نوافذها فكانت مقبَّبة أو مستديرة، ممَّا يعبِّر عن رفضٍ للمظهر النفعي، النمط الريفي الذي كان سائدًا في العقود السابقة.

كان هناك أشخاص. لم يتمكَّن الجميع هنا من البقاء في منازلهم برفقة مكيِّفاتهم؛ فهناك صبي كان يقود دراجته، متخذًا مسارات قطرية عبر الرصيف. كان هناك شيء غريبٌ في قيادته للدراجة، بَيْدَ أنها لم تتمكَّن من معرفته في البداية.

السير عكسيا

كان يقود على نحو عكسي؛ هذا هو الغريب في الأمر. امتدَّ الجاكيت الذي يرتديه بفعل الهواء على نحوٍ يجعل المرء — أو يجعلها — غيرَ قادرٍ على معرفة ما يحدث.

وكانت توجد سيدة ربما تبدو أكبر سنًّا من أن تكون أمه — لكنها بَدَتْ في الوقت نفسه مُهندَمةً ومفعمة بالحيوية جدًّا — تقف هناك في الشارع تراقبه. وكانت تُمسِك في يدها حبلَ نطٍّ وتتحدَّث إلى رجلٍ لا يمكن أن يكون زوجَها، بَدَا أن هناك علاقةً ودية شديدة كانت تجمع بينهما.

كان الشارع ينتهي بطريق مسدود مُنْحَنٍ، ولم يكن هناك مجالٌ للمضي قُدمًا.

قاطعت نانسي حديثَ الرجل والمرأة، متأسِّفةً لهما عن ذلك، وأخبرتهما عن أمر بحثها عن الطبيب.

قالت نانسي: «كلا كلا، لا تنزعجا. أرغب فقط في معرفة عنوانه؛ اعتقدتُ أنكما ربما تعرفانه.»

ثم ظهرت المشكلة من جديدٍ حين أدركَتْ أنها لا تزال غير متيقِّنةٍ من الاسم. وكانا من دماثة الخُلُق ما جعلهما لا يُظهِران اندهاشهما من ذلك، إلا أنهما في نهاية الأمر لم يتمكَّنَا من مساعدتها.

تقدَّمَ الصبي على دراجته متمايلًا مندفعًا، عابرًا بجوارهم مباشَرةً، وبالكاد لم يصدمهم.

ضحك الرجل والمرأة، ولم يوبخاه على ذلك. كان صبيًّا صغيرًا شديد التهور، ولكن من الواضح أنهما كانا يحبانه بشدة. تحدَّثَا عن جمال ذلك المساء، في الوقت الذي استدارَتْ فيه نانسي لتعود أدراجها.

لم تَعُدْ كلَّ الطريق الذي قطعَتْه؛ فإنها لم ترجع حتى إلى بيت الجنازات. كان هناك شارع جانبي تجاهلَتْه قبل ذلك، ربما لأنه لم يكن مرصوفًا ولم تفكر أنه من الممكن أن يعيش فيه طبيب.

فلم يكن هناك رصيف، وكانت المنازل محاطة بالقمامة. وجدَتْ رجلَيْن مشغولين أسفل غطاء محرك شاحنة، ورأت أن فكرة مقاطعتهما لن تُجدِي نفعًا، هذا علاوة على أنها لمحَتْ شيئًا مثيرًا أمامها.

كان هناك سياج من الشجيرات يقترب من الشارع، كان مرتفعًا بالقدر الذي لا تتوقَّع أن يكون في مقدورها رؤية ما يحجبه من فوق، لكنها اعتقدت أنها قد يمكنها النظر فيما بين الشجيرات.

لم يكن هذا ضروريًّا؛ فعندما تجاوزَتِ السياج، وجدَتْ أنه كان يُخفِي قطعةَ أرض — تبلغ مساحتها نحو مساحة أربع قِطَع أرض زراعية مندمجة معًا — مفتوحة تمامًا على الشارع الذي كانت تسير فيه الآن. بدت قطعة الأرض هذه أشبه بمتنزه، ذي ممرات مُبلَّطة تتقاطع قُطْرِيًّا عبر الحشائش المقصوصة واليانعة، وفيما بين الممرات برَزَ من الحشائش الكثير من الأزهار المختلفة. تعرَّفَتْ على بعضٍ من أنواع تلك الأزهار — على سبيل المثال: أزهار الأقحوان باللونَيْن الذهبي الداكن والأصفر الفاتح، وأزهار الفلوكس القرنفلية والوردية والبيضاء ذات القلب الأحمر — ولكنها على الرغم من ذلك لم تكن بستانيةً بارعة؛ فقد كان أمامَها العديدُ من الأزهار المتجمِّعة أو المتدلية من كافة الألوان التي لم تستطع تحديد أنواعها وأسمائها. كان بعضها يتسلَّق التعريشات، والبعض الآخَر يفترش الأرض بحريةٍ. كان كل شيء رائعًا ومتقنًا، حتى تلك النافورة التي ترتفع مياهها سبع أقدام أو نحو ذلك قبل أن تهبط ثانيةً على حوضها المُبطَّن بالصخور. مشتْ عبر هذا المكان لتترطب ببعض الرذاذ البارد للمياه الخارج من النافورة، وهناك وجدَتْ مقعدًا من الحديد المُطاوع حيث كان يمكنها الجلوس.

قَدِم رجلٌ عبر أحد الممرات حاملًا في يده مقص حشائش؛ من الواضح أن البستانيِّين هنا يعملون لأوقات متأخرة. لكن هذا الرجل لم يكن يبدو عليه أنه عاملٌ أجيرٌ. كان طويلَ القامة وبالغَ النحافة ويرتدي قميصًا أسود اللون وبنطالًا ملاصقًا بشدة لجسده.

لم يخطر ببالها أن هذا المكان لا يمكن أن يكون بأي حالٍ متنزه البلدة.

«هذا جميل حقًا.» قالت هذا موجِّهةً الحديث للرجل بصوتٍ واثق ومؤيد، وأضافَتْ: «إنك تُحسِن الاعتناءَ بالمكان حقًّا.»

قال لها: «شكرًا لكِ، مرحبًا بك هنا.»

أخبَرَها ببعض الغلظة أن هذا المكان ليس متنزهًا عامًّا وإنما ملكية خاصة، وأنه صاحبه وليس عاملًا أجيرًا فيه.

«كان عليَّ أن أطلب الإذن منك أولًا.»

«لا بأس.»

قال هذا وهو منهمِك في قصِّ أحد النباتات الزاحفة على الممر.

«إنه ملككَ، أليس كذلك؟ هل كله مِلْكٌ لكَ؟»

بعد دقيقة من الانشغال، ردَّ: «كله مِلْكٌ لي.»

«كان عليَّ إدراك ذلك. إنه أروع من أن يكون مكانًا عامًّا؛ فهو ليس بالمكان العادي على الإطلاق.»

لم تتلقَّ ردًّا. كانت على وشك أن تسأله إنْ كان يحب الجلوس هنا في المساء، ولكنها فضَّلَتْ ألَّا تزعجه أكثر من ذلك؛ حيث بَدَا أنه ليس من الأشخاص الذي يسهل التعامُل معهم؛ ربما كان أحدَ هؤلاء المفتخرين بأنفسهم فيما يتعلَّق بهذا الأمر. كانت ستشكره بعد دقيقة وتنصرف.

ولكن ما حدث، في واقع الأمر، أن الرجل بعد مرور دقيقة ذهب وجلس إلى جوارها، وتحدث كما لو كان ثمة سؤالٌ قد طُرِح عليه.

«إنني حقًّا أشعر فقط بالارتياح حين أفعل شيئًا يتطلَّب العنايةَ والانتباه؛ فإذا جلستُ، يجب أن أحوِّل نظري عن كل شيءٍ هنا، وإلا فسأكتشف المزيدَ من العمل الذي عليَّ القيام به.»

كان عليها أن تدرك على الفور أنه رجل لا يحب المزاح، ولكن الفضول كان لا يزال يُثِيرها.

ماذا كان هنا قبل ذلك؟

قبل أن تُنشَأ الحديقة؟

«كان هناك مصنع حياكة. كل تلك الأماكن الصغيرة كان بها شيء مثل ذلك، حيث تستطيع أن تفلت بالأجور الضعيفة التي تعطيها لعمَّالك. ولكن بمرور الوقت أفلَسَ المصنع، وكان هناك مقاوِلٌ فكَّرَ في تحويل المكان إلى دار لرعاية المسنين، إلا أن مشروعه واجَهَ بعضَ المشكلات؛ حيث رفَضَ المسئولون بالبلدة مَنْحَه التصريح اللازم؛ حيث اعتقدوا أن البلدة ستصبح ملتقًى للكثير من المسنين ممَّا سيجعلها بلدةً كئيبةً؛ لذا أضرم المقاول النار في المكان أو هدمه، لا أدري على وجه التحديد.»

أدركتُ أنه ليس من هذه المنطقة. علمتُ أنه لو كان كذلك، لَمَا تحدَّثَ أبدًا على هذا النحو المنفتح جدًّا.

وأردف قائلًا: «أنا لستُ من هذه المنطقة. لكنْ كان لديَّ صديقٌ يعيش هنا وعندما تُوفِّي، جئتُ فقط لأبيع أرضه وأذهب.»

«لكنني حصلتُ على تلك الأرض بثمنٍ زهيدٍ؛ نظرًا لأن المقاول تركها مجرد بقعةٍ مهملة، وكان شكلها مُقبِضًا.»

«أعتذر إذا ما بَدَوْتُ فضوليةً.»

«ليس ثمة داعٍ للاعتذار. إني لا أُقْدِم على تفسيرِ شيءٍ ما لم تكن لديَّ الرغبة في ذلك.»

قالت: «لم آتِ إلى هنا من قبلُ. بالطبع لم أفعل وإلا لوقعَتْ عيناي على تلك البقعة. كنتُ أتجوَّل هنا باحثةً عن أمرٍ ما، واعتقدتُ أن فُرَصَ وصولي إليه ستكون أفضلَ لو تركتُ سيارتي وترجَّلْتُ بحثًا عنه. إني أبحث في الواقع عن طبيب.»

شرحَتْ موضِّحةً له أنها ليست مريضةً، وأنَّ كلَّ ما في الأمر أنَّ لديها موعدًا معه في الغد، ولا ترغب في الهرع صباح الغد بحثًا عن المكان. ثم أخبرَتْه عن ركن سيارتها ودهشتها حيال عدم العثور على اسم الطبيب في أي مكان.

«ولم يمكنني كذلك البحث في دليل الهاتف؛ لأن أدلة وأكشاك الهواتف لم تَعُدْ، كما تعلم، متوافرةً الآن؛ حيث اختفت جميعًا، أو تجد أن محتوياتها قد اقتُلِعت. بدأ حديثي يتسم بالسخافة الشديدة.»

أخبرته باسم الطبيب الذي كانت تبحث عنه، ولكنه قال إن الاسم لم يتبادر إلى مسامعه من قبلُ.

«ولكني لا أذهب للأطباء.»

«ربما أنت من الذكاء بحيث لا تفعل ذلك.»

«أوه، لا أعني ذلك.»

«على أية حال، من الأفضل أن أعود إلى سيارتي.»

نهض الرجل حين نهضَتْ هي، وقال إنه سوف يتمشَّى معها.

«هل سترافقني حتى لا أضل الطريق؟»

«لا، ليس لهذا السبب على الإطلاق. إنني دائمًا ما أحب أن أرخي رجلَيَّ في مثل هذا الوقت من كل مساء؛ فأعمال البَسْتَنَة يمكن أن تُصِيبها بالشدِّ.»

«إني على يقينٍ من أن ثمة تفسيرًا ما منطقيًّا بشأن هذا الطبيب. هل فكَّرْتَ من قبلُ في أن ثمة تفسيراتٍ للأمور كانت في الماضي أكثرَ منطقيةً ممَّا هي عليه الآن؟»

لم يُجِبها؛ ربما تذكَّرَ صديقَه الراحل، وربما عُدَّتِ الحديقةُ بمنزلة نُصُبٍ تذكاري لصديقه المُتوفَّى.

وبدلًا من شعورها بالإحراج نظرًا لطرحها سؤالًا دون تلقِّي جوابٍ عليه من جانبه، شعرَتْ بعذوبةٍ وسلامٍ في الحوار.

مشيَا معًا دون أن يصادِفَا أحدًا.

وسرعان ما وصلا إلى الشارع الرئيسي؛ حيث كانت البناية الطبية على بُعْد بناية واحدة، وشعرَتْ لدى رؤية تلك البناية ببعضٍ من عدم الارتياح، ولكنها لم تكن تعرف سببَ ذلك، وبعدَ دقيقة صار ذلك الشعور هو المسيطر عليها. كان يتملَّكُها حينَها شعورٌ غريب بالانزعاج؛ ماذا لو أنَّ الشخص المطلوب، الشخص الذي ذكرَتْ أنها لم تتمكَّن من العثور عليه، كان موجودًا هناك طوال ذلك الوقت؟ تحرَّكَتْ بسرعةٍ أكبر، واكتشفَتْ أنها كانت ترتجف، وبنظرها الجيد إلى حدٍّ بعيد، قرأَت الاسمين الموجودين على باب البناية كما حدث من قبلُ، واكتشفَتْ أن اسم الطبيب الذي كانت تريده لم يكن من بينهما.

تظاهرَتْ بأنها كانت تُسرِع لرؤية الأشياء المعروضة بنافذة العرض الخاصة بالمتجر الذي ركنَتْ سيارتها أمامه؛ الدُّمى ذات الرءوس الخزفية والزلاجات القديمة والأوعية المستخدمة كمَباوِل والألحفة التي كانت جميعها بالية ورَثَّة.

قالت: «أنا حزينة.»

لكنه لم يكن منتبِهًا لما تقول، وقال إنه قد واتَتْه فكرةٌ لتوِّه.

قال: «هذا الطبيب.»

«ماذا بشأنه؟»

«أفكِّر فيما إذا كانت له صلةٌ بدار الرعاية.»

مشيا معًا مرةً أخرى حيث مرَّا بشابَّيْن جالسين على رصيف الشارع، أحدهما كانت رجلاه ممدودتين ممَّا جعلهما يلفان من حوله ليتمكَّنَا من مواصَلة السَّيْر. لم يُلْقِ الرجل المرافِق لنانسي بالًا للشابين، ولكنه أخفَضَ صوته بعض الشيء.

قالت: «دار الرعاية؟»

«ما كان لكِ أن تلاحظي مكانها إذا كنتِ قادمةً من الطريق السريع، لكنك إذا واصَلْتِ السَّيْرَ للخروج من البلدة باتجاه البحيرة التي مرَرْتِ بها، على مسافةٍ لا تتجاوز نصفَ ميلٍ، فستمرين بكومةٍ من الحصى على الجانب الجنوبي من الطريق، وهي لا تبعد كثيرًا عن هناك، على الجانب الآخر. لا أدري إنْ كان هناك طبيبٌ مُقِيمٌ أم لا، ولكنْ من المنطقي أنه ربما يوجد واحد هناك؟»

قالت: «من المنطقي أنه ربما يوجد واحد هناك.»

كانت تأمل بألَّا يعتقد أنها تردِّد ما قاله عن قصدٍ؛ فهذا يجعل من الأمر دعابةً سخيفةً. والحقيقة الظاهرة أنها كانت تريد أن تُطِيل الحديثَ معه، سواء بدعابات سخيفة أم بأي شيء آخَر.

لكنْ ظهرَتِ الآن مشكلةٌ أخرى من مشاكلها؛ إذ كان عليها أن تتذكَّر مكانَ مفاتيح السيارة، وذلك كما كانت تفعل غالبًا قبل ركوبها إياها؛ فكثيرًا ما كان يعتريها القلق بشأن إنْ كانت قد تركت المفاتيح داخلَ السيارة أم أضاعَتْها في مكانٍ ما. وها هي تشعر بأن حالةً من الذعر المألوفة والمزعجة تقترب من السيطرة عليها، ولكنها الآن وجدَتِ المفاتيح في جيبها.

قال: «الأمر يستحق المحاولة.» وأبدَتْ هي موافقتها على ذلك.

«لا يزال لديك وفرة من المساحة لتغيير اتجاهك والخروج عن الطريق السريع وإلقاء نظرة هناك. فإذا كان يوجد طبيب مُقِيم بانتظامٍ هناك، فلن يكون في حاجةٍ إلى ترك اسمه — أو اسمها، حسبما يقتضي الأمر — على لافتة في البلدة.»

بدا هو أيضًا غير منشغل على الإطلاق بالانصراف.

«إني مَدِينة لك بالشكر.»

«لا عليكِ، كان هذا مجرد تخمين.»

فتح لها باب السيارة كي تدخل، وأغلقه وراءَها وانتظر حتى استدارَتْ بالسيارة لتذهب في الاتجاه الصحيح، ثم لوَّحَ لها مودِّعًا.

بينما كانت في طريقها إلى خارج البلدة، رأَتْه مرةً أخرى في مرآة الرؤية الخلفية، ووجدته قد انحنى ليتحدَّث إلى الصبيَّيْن أو الشابَّيْن اللذين كانا يجلسان على رصيف الشارع ويسندان ظهرَيْهما إلى جدار المتجر. كان قد تجاهلهما قبل ذلك لدرجةٍ جعلَتْ نانسي تُفاجَأ الآن بحديثه معهما.

ربما كان عليه أن يقول لهما ملحوظةً بشأنها؛ دعابة حول غرابتها أو سخافتها، أو ربما حدَّثَهما فقط عن عمرها. ربما كانت ملحوظةً ضدها من أكثر الرجال لطفًا.

اعتقدَتْ أنَّ عليها أنْ تعود مرةً أخرى إلى البلدة لتشكره ثانيةً وتخبره إن كانت قد وجدَتِ الطبيب الذي كانت تبحث عنه أم لا. كان في مقدورها حينها أن تتمهَّل في قيادتها وتضحك وتناديه عبر النافذة.

ولكنها الآن قرَّرَتْ أن تسلك طريقَ شاطئ البحيرة وتبتعد عن طريقه تمامًا.

قالت في نفسها إنَّ عليها نسيانه، وها هي ترى كومة الحصى تقترب، وكان عليها أن تنتبه إلى وجهتها.

كما قال لها تمامًا، كانت هناك لافتة؛ إشارة إلى دار رعاية ليكفيو. ومن هناك بالفعل كان يمكن رؤية البحيرة، على هيئة خيط رفيع باللون الأزرق الفاتح بطول الأفق.

كانت هناك ساحة انتظار فسيحة للسيارات، وجناح طويل به ما يشبه مقصورات منفصلة، أو غُرَفًا بمساحات جيدة على الأقل، لكلٍّ منها حديقةٌ صغيرة أو مكانٌ للجلوس. وهناك سياج مُشبك عالٍ جدًّا أمام كلِّ واحدٍ منها مراعاةً للخصوصية أو حفاظًا على السلامة. لكنْ لم يكن أيٌّ من النزلاء جالسًا هناك في ذلك الوقت بحسب ما يمكنها رؤيته.

بالطبع لا يوجد أحد هناك؛ فموعد النوم يكون مبكرًا في تلك المؤسسات.

أعجَبَها نمَطُ التشبيك في السياج وكيف أنه كان مُبتكَرًا. لقد تغيَّرَ شكلُ البنايات العامة في السنوات القليلة الماضية، كما هو الحال بالنسبة إلى المنازل الخاصة؛ فاختفى الشكل المعماري الرتيب الكئيب، الذي كان الخيار الوحيد المتاح في فترة شبابها. وهنا أوقفَتِ السيارةَ أمام قبة برَّاقة لها مظهرٌ مُرحب معبِّر عن الإفراط المُبهِج. افترضَتْ أن بعض الناس ربما يجدون أن لتلك القبة مظهرًا زائفًا، ولكنْ أَلَمْ يكن هذا هو الشيء المطلوب؟ كل هذا الزجاج يجب أن يُبهِج أرواحَ المسنين، أو ربما بعض الناس الذين ليسوا بالضرورة من كبار السن ولكن يعانون من اضطرابٍ عقليٍّ ما.

بحثَتْ عن زرٍّ لتضغط عليه أو جرسٍ لتدقه، عندما وصلت إلى الباب. ولكن لم يكن هذا ضروريًّا؛ فقد فُتِح الباب من تلقاء نفسه، وعندما دخلَتْ وجدَتْ أن المكان أكثر رحابةً واتساعًا وفخامةً، وأن هناك مسحةً زرقاء على الزجاج، والأرض كلها كانت مغطَّاة بالبلاط الفضي اللون، الذي كان من النوع الذي يحبُّ الأطفالُ التزحلق عليه، ولِلَحظةٍ تصوَّرَتِ المرضى وهم يتزحلقون ويسقطون من أجل المتعة، وقد جعلتها تلك الفكرة تشعر بالبهجة. ولكنها قالت في نفسها إنه بالطبع لا يمكن أن يكون زلقًا كما يبدو؛ فالمسئولون بالدار لا يريدون لمرضاهم أن يُصابوا بأذًى.

قالت في صوتٍ ساحرٍ لشخصٍ ما في رأسها، ربما كان زوجها: «أنا لا أجرؤ على تجربة ذلك بنفسي. لا يمكنني فعل هذا، أليس كذلك؟ فقد أجد نفسي أمام الطبيب، الشخص الذي يستعِدُّ لاختبار اتِّزاني العقلي؛ فماذا سيكون رد فعله حينها؟»

في تلك اللحظة، لم تكن ترى أي طبيب.

قالت في نفسها: حسنًا، لن يكون هناك أيٌّ منهم، أليس كذلك؟ فالأطباء لا يجلسون خلف هذه المكاتب في انتظار المرضى للكشف عليهم.

كما أنها ليسَتْ هنا حتى للحصول على استشارة طبية، وستكون مضطرةً لأنْ تشرح مجدَّدًا أنها قادمةٌ للتأكُّد من الوقت والمكان الخاصَّيْن بموعدٍ في الغد. كلُّ هذا جعلها تشعر بالتعب بعضَ الشيء.

كان هناك مكتب مستدير، مرتفع من الوسط، تبدو ألواحه التي من الخشب الداكن كأنها مصنوعةٌ من خشب الماهوجني، على الرغم من أنها من المحتمل ألَّا تكون كذلك. لم يكن أحدٌ يجلس وراءَه الآن؛ فقد انتهت ساعاتُ العمل الرسمية بطبيعة الحال. راحت تبحث عن جرسٍ ولكنها لم تجد واحدًا؛ فراحت تبحث إنْ كانت هناك قائمةٌ بأسماء الأطباء أو اسم الطبيب المسئول عن المكان، ولكنها لم تجد شيئًا أيضًا. يظن المرء أن هناك سبيلًا لإيجاد شخصٍ يمكن استدعاؤه في مكانٍ كهذا، بغضِّ النظر عن الوقت.

لم تكن هناك أشياء هامة خلف المكتب أيضًا؛ لا كمبيوتر ولا هاتف ولا أوراق ولا حتى أزرار ملوَّنة يمكن الضغط عليها. بالطبع، لم تكن قادرةً على الوصول إلى ما وراء المكتب؛ إذ ربما يوجد بعض الأقفال أو بعض المقصورات التي لا تستطيع رؤيتها، أو أزرار يمكن لموظف الاستقبال أن يصل إليها ولكنْ لا يمكنها ذلك.

تجاهلَتْ أمرَ المكتب لِلَحظةٍ، وأخذَتْ تفحص أرجاءَ المكان الذي وجدَتْ نفسها فيه. كان سداسيَّ الشكل، به أبواب في أماكن متباعدة، وكانت هناك أربعة أبواب: أولها كان الباب الكبير الذي يدخل منه ضوء الشمس والزائرون، وثانيها كان بابًا رسميًّا وخاصًّا يوجد خلف المكتب ولم يكن من السهل الوصول إليه، أما البابان الآخَران، فكانا متشابهين تمامًا ويواجه كلٌّ منهما الآخَر، وبدا أن كلًّا منهما يُعَدُّ مدخلًا إلى الأجنحة الطويلة، وإلى الممرات والغُرَف التي يوجد فيها النزلاء. وكل باب من تلك الأبواب كان له جزءٌ علوي من الزجاج الشفاف الذي يمكن الرؤية بوضوحٍ من خلاله.

ذهبَتْ نانسي إلى أحد هذين البابين اللذين من الممكن الوصول إليهما وطرقَتْ عليه، ثم حاولَتْ فتح المقبض ولكنها لم تستطع؛ فقد كان مغلقًا تمامًا. كما أنها لم تستطع الرؤيةَ من خلال الجزء الزجاجي من الباب؛ فبالاقتراب منه وجدت زجاجَه مموجًا ومموهًا بشدة.

حاولَتْ مع الباب المقابِل، لكنها صادفَتْ نفسَ المشكلة مع الزجاج ومع مقبض الباب.

وَقْعُ صوت حذائها على الأرض، وتموُّهُ الزجاج وعدمُ فتح البابين باستخدام المقابض المصقولة، كلها أمور جعلتها تشعر بالإحباط بقدرٍ أكبر مما يمكن أن تعترف به.

ومع ذلك، لم تستسلم، وظلت تحاول مرةً أخرى مع البابين بنفس الطريقة، ولكن هذه المرة حرَّكَتِ المقبضين ونادتْ: «هل هناك من أحدٍ؟» بصوتٍ بَدَا في البداية ضعيفًا وسخيفًا، ثم بَدَا مهمومًا ويائسًا.

حشرَتْ نفسها وراء المكتب وطرقت على الباب الذي وراءَه، في يأسٍ كامل في واقع الأمر؛ فهذا الباب كان بلا مقبض، فقط ثقب مفتاح.

قالت في نفسها إنه لم يَعُدْ أمامَها سوى تَرْكِ هذا المكان والعودة إلى منزلها.

اعتقدَتْ أن كل شيء هنا مبهج وفخم جدًّا، ولكنْ لا يوجد ما يدل على أنه مكان يقدِّم خدمةً للجمهور. بالطبع كانوا يدفعون النزلاء أو المرضى، أو أيًّا كانت التسمية، إلى النوم مبكرًا؛ إنها نفس القصة القديمة في كل مكان، بغضِّ النظر عن روعة الأجواء المحيطة.

بينما كانت تفكِّر في هذا، دفعَتْ باب الدخول، لكنه كان ثقيلًا جدًّا. دفعَتْه مرةً أخرى.

ومرةً ثالثة، لكنه لم يتزحزح.

كان في مقدورها من مكانها رؤية أُصص الزرع بالخارج في الخلاء، وسيارة تمر على الطريق، وضوء المساء اللطيف.

والآن كان عليها أن تتوقَّف وتفكِّر.

ليست هناك أضواء صناعية هنا، وكان المكان سيصبح مُظلِمًا. الآن، وعلى الرغم من الضوء المتناقص بالخارج، فقد بدأ المكان يُظلِم، وبَدَا أن لا أحد سيأتي؛ فقد أتمُّوا مهامَّ عملهم أو على الأقل المهام الخاصة بهذا الجزء من المكان. وأيًّا كان المكان الذي ذهبوا إليه الآن، فهو المكان الذي سيبقون فيه حتى صباح اليوم التالي.

فتحَتْ فمها لتصرخ ولكنْ بَدَا أنه لن يخرج منه أي صوت. كان كل جسمها ينتفض، ومهما حاولَتْ، فما كان بإمكانها أن تتنفَّس. بَدَا الأمر وكأنَّ هناك شيئًا يسدُّ حلقها. كانت تعاني من اختناقٍ. كانت تعرف أنه يجب عليها أن تتصرَّف بنحوٍ مختلفٍ، والأكثر من ذلك، يجب عليها أن تفكِّر بطريقةٍ مختلفة؛ فكان عليها أن تستعيد هدوءَها ثم تحاوِل التنفس تدريجيًّا.

لم تَدْرِ إنْ كانت نوبةُ الهلع تلك استغرقَتْ وقتًا طويلًا أم قصيرًا. كان قلبها يخفق بشدة، إلا أنها أصبحَتِ الآن في أمان تقريبًا.

•••

كانت توجد امرأةٌ هنا تُدعَى ساندي؛ هذا ما كان مكتوبًا على الشارة التي كانت ترتديها، وكانت نانسي تعرفها على أية حال.

قالت ساندي: «ما الذي سنفعله معك؟ كل ما نريده هو أن نجعلك ترتدين ملابس النوم، وأن تتصرفي كالدجاجة التي تخشى أن تُذبَح وتُؤكَل في وجبة العشاء.»

وأردفَتْ قائلةً: «لا بد أن هناك حلمًا قد راوَدَكِ. ما الذي حَلَمتِ به لتوِّك؟»

«لا شيء. لقد عدتُ إلى الماضي حين كان زوجي على قيد الحياة وكنتُ لا أزال أقود سيارتي.»

«هل لديك سيارة لطيفة؟»

«فولفو.»

«أترين كيف أنك تتمتعين بذاكرة قوية؟»

اضغط على الرابط لقرائة باقي المقال
⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩

إرسال رد أو تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها