عندما تتصادم العوالم

2016-10-28

عندما تتصادم العوالم

خاض أنصار هذه النظرية نوعًا من الصراع على مرِّ القرون القليلة الماضية لإقناع العلماء وعامة الناس أن ملايين الفوهات الموجودة على سطح القمر لم تظهر نتيجةً لانفجارات بركانية، بل نتيجة اصطدامات مع أجرام من الفضاء. منذ فترة طويلة، وتحديدًا في أوائل القرن التاسع عشر، كان العلماء «الجادون» يسخرون من قول الفيلسوف الطبيعي الألماني البارون فرانز فون بولا جرايتهازن إن تلك الفوهات القمرية كانت نتيجة «قصف كوني وقع في العصور الماضية.» (لا شك أن ادعاءاته الأخرى بشأن الكشف عن أدلة على وجود بشر وحيوانات على سطح القمر ليست لها علاقة تذكر بهذا.) وفي نهاية القرن التاسع عشر، حاول الجيولوجي الأمريكي جروف كارل جيلبرت عمل محاكاة في المختبر لتشكل الفوهات القمرية بإطلاق أجسام إلى أجزاء تتكون من المسحوق أو الطين. ومع ذلك انتابت جيلبرت الحيرة عندما لاحظ أن الأجسام التي أُطلِقت رأسيًّا فقط هي التي شكلت حفرًا دائرية كالتي تغطي سطح القمر. وفي ضوء هذا، أعلن دبليو إم سمارت عام ١٩٢٧ أن الفوهات البركانية الموجودة على سطح القمر لا يمكن أن تكون ناجمة عن اصطدامات؛ لأنه «لا يوجد أي سبب بديهي يفرض على الشهب ألا تسقط إلا عموديًّا.» وبعد رصد اصطدامات مليارات الأطنان من القنابل التي أُلقيت في الحرب العالمية الثانية فحسب، بدأ الجيولوجيون يرَوْن أنه إن كان الانفجار عنيفًا بما يكفي فدائمًا ما تتشكل بسببه حفرة دائرية مهما كانت زاوية الضرب. بعبارة أخرى، فإن الانفجار الهائل الذي يتولَّد عندما يضرب جرمٌ ما القمر يكاد يسفر دائمًا عن تكوُّن حفرة دائرية. ومن اللافت للنظر أن الأمر قد استغرق ربع قرن آخر لينال القول إن تلك الفوهات تكونت نتيجة اصطدام قبولًا واسع النطاق، وحتى اليوم لا يزال قلة قليلة من العلماء المنشقين يؤيدون القول إن أصلها بركاني مع أن القول الآخر قامت عليه الأدلة الدامغة. إن نيل أي مبدأ جديد للقبول في الأوساط العلمية معركة، والجيولوجيا ليست استثناءً من ذلك. وكما أن أنصار النظرية الثورية التي تقول بالصفائح التكتونية خاضوا في البداية صراعًا مريرًا ضد القوى الرجعية، فإن أولئك العلماء الذين قالوا إن الأرض، وكذلك القمر، تعرضا لضربات من أجرام سماوية وجدوا صعوبة في إقناع غيرهم بذلك.

عام ١٩٠٥م

منذ فترة طويلة، وتحديدًا عام ١٩٠٥، قال بنيامين تيلجمان إن فوهة بارينجر الشهيرة في ولاية أريزونا (التي أيضًا تُعرف الآن باسم فوهة النيزك) قد تكونت نتيجة «اصطدام نيزك ذي حجم هائل ليس له مثيل إلى الآن.» ومع ذلك لم يقتنع الناس بهذا القول؛ لأن تيلجمان وزميله المهندس دي إم بارينجر ظلَّا ربع قرن ينقِّبان عن الجرم الذي ضرب الأرض هناك لكن دون جدوى. ونحن نعلم الآن أن هذا الجرم قد تبخر بفعل الحرارة الهائلة الناتجة عن الاصطدام، ولكن في ذلك الوقت كان عدم العثور على دليل دامغ كفيلًا بأن يجعل المصداقية من نصيب أصحاب القول الآخر.

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بكثير، عانى العديد من علماء الأرض فقرًا في الخيال؛ إذ قبلوا أن تلك الفوهات الموجودة على القمر إنما هي أثر اصطدام أجرام به، ومع ذلك ظلوا يتمسكون بأي قشة كي لا يؤيدوا القول إن الفوهات الموجودة على كوكبنا هي أثر اصطدام أجرام به. وبالنظر إلى ذلك، وبسبب ما تتمتع به الأرض من حجم أكبر ومجال جاذبية أقوى بكثير، فإنه لا بد أن تكون قد ضُربت ربما بوتيرة تزيد ثلاثين مرة عن الوتيرة التي ضُرِب بها القمر؛ ومن ثَمَّ تزداد غرابة هذا الإنكار. ومع ذلك، ربما لا يكون هذا الإنكار مستغربًا تمامًا، عندما نضع في الاعتبار أن الطبيعة النشطة جدًّا لكوكبنا لا تتواءم تمامًا مع الحفاظ على فوهات اصطدام، لا سيما ما كان منها شديد القِدَم. بسبب الصفائح التكتونية، وعلى وجه الخصوص عملية الاندساس، التي يتم عن طريقها وبشكل مستمر تآكل صفائح المحيطات البازلتية في باطن الأرض الملتهب، نجد أن ما يقرب من ثلثَي سطح الأرض لا يجاوز عمره بضع مئات من ملايين السنين. وإن وضعنا في اعتبارنا أن المرحلة التي شهدت أكبر قدر من القصف كانت خلال مليارات السنين القليلة الأولى من تاريخ كوكبنا، فإن الأدلة على هذا الآن لن توجد إلا في الأعماق القديمة للقارات الجرانيتية التي هي في مأمن من عملية الاندساس. وقد اشتُهر عن تلك الفوهات صعوبة رصدها؛ وذلك نظرًا لتعرضها لأزمان طويلة من التآكل والتعرية. فضلًا عن ذلك فإن أقدم الصخور — التي من المرجح أن تدعم معظم الفوهات — توجد في مناطق نائية مثل سيبيريا وشمال كندا وأستراليا، وبعض الفوهات كبيرة جدًّا لدرجة أن صورتها الحقيقية لا يمكن رؤيتها إلا من الفضاء. ساعدت الأقمار الصناعية اليوم في تحديد أكثر من ١٧٢ فوهة اصطدام في جميع أنحاء العالم، وفكرة أن الأرض عرضة للقصف من الفضاء صارت الآن مقبولة مثلها مثل نظرية الصفائح التكتونية.

ومع ذلك، فمما لا شك فيه أن الجدل لا يزال قائمًا ومستمرًّا في الأوساط العلمية، ولا سيما حول وتيرة الاصطدامات وانتظامها، وحول آثار الاصطدام الكبير القادم على حضارتنا، وهو ما يهم رجل الشارع على وجه الخصوص. أما عن وتيرة تلك الاصطدامات فهي بعيدة عن أن تكون مسألة هينة، وهناك خلاف كبير بين المدارس الفكرية؛ فمنها ما يذهب إلى القول إن هناك تدفقًا مستمرًّا من تلك الأجرام التي تصطدم بالأرض، ومنها ما يقول بنظرية تُسَمَّى «التجمعات التصادمية». وبالرغم من القصف العنيف جدًّا الذي شهدته الحقبة الأولى من تاريخ الأرض، نجد أتباع نظرية «تواتر الاصطدامات» يرَوْن أن تلك الاصطدامات تقع بمعدل موحد وثابت. وهذا يتعارض مع ما يقوله مناوئوهم من العلماء الذين يروجون لنظرية بديلة هي نظرية «ترابط الكوارث»، التي تقول بأن الأرض — لسبب أو لآخر — تتعرض دوريًّا للهجوم من عدد متزايد من الكويكبات أو المذنبات.

إذا أردنا إجراء تقييم واقعي لخطر الاصطدامات المستقبلية على حضارتنا، فمن الواضح أنه لا بد أن نقرر بأسرع ما يمكن ما إذا كان عدد تلك الاصطدامات سيظل بمعدله الحالي أم أننا سنتعرض في المستقبل لصدمة قاسية تخبئها لنا الأقدار. إذا ثبتت صحة القول الأول، فلنا أن نتوقع أن يظل الوضع على ما هو عليه، وهذا يعني أن تتعرض الأرض كل بضعة قرون أو نحو ذلك لاصطدامٍ بجرم سماوي قطره ٥٠ مترًا من المحتمل أن يدمر مدينة كبيرة بأكملها، وأن تتعرض كذلك كل عدة عشرات من آلاف السنين لاصطدام بجرم سماوي قطره نصف كيلومتر من شأنه أن يدمر دولة صغيرة، وأن تتعرض كل ٦٠٠ ألف سنة لاصطدام بجرم سماوي قطره كيلومتر واحد من شأنه أن يؤثر على العالم أجمع. ولحسن حظنا، يبدو أن أحداث الانقراض الجماعي — مثل ذلك الاصطدام الذي وقع بين الأرض وجرم سماوي قطره عشرة كيلومترات، والذي أنهى عهد الديناصورات قبل ٦٥ مليون سنة — تقع كل ٥٠ إلى ١٠٠ مليون سنة؛ ومن ثَمَّ فإن فرص وقوع واحد منها عما قريب ضئيلة. وبناءً على ما سبق ذكره من معدلات اصطدام أجرام سماوية بالأرض، خرج أنصار نظرية الخطر القادم من الكويكبات والمذنبات علينا باحتمالات جديرة بالتفكير بشأن التعرض للفناء بسببِ واحدٍ من تلك الاصطدامات. لو استطعتَ بناء آلة زمن وانطلقت بها إلى المستقبل فوصلت إلى عام ١٠٠٠٢٠٠٥ حيث بحثت واستشرت مركز التسجيلات الكوكبية، لخرجتَ بحقيقة مذهلة، وهي أن عدد من لقوا حتفهم في اصطدامات جوية (وفضائية أيضًا) خلال فترة المليون سنة الفاصلة — الذي قد يتراوح بين ١ و١٫٥ مليار شخص — سيكون ضعف عدد من لقوا مصرعهم بسبب أحداث اصطدام أجرام سماوية بالأرض، والذي قد يتراوح بين ٥٠٠ إلى ٧٥٠ مليون أو أكثر، وذلك على افتراض حدوث تصادم أو اثنين مع جرمين سماويين قُطر الواحد منهما كيلومتر واحد. ومعنى هذا أنه على مدار حياتك يكون احتمال وفاتك بسبب اصطدام كويكب أو مذنب بالأرض نصف احتمال وفاتك في حادث تحطم طائرة، وهو احتمال يدعو للتفكير فيه بجدية لو كان حقيقيًّا. دعونا نوضح الأمر بتشبيهٍ آخر فنقول إن احتمال وفاتك بسبب اصطدام كويكب أو مذنب بالأرض يفوق احتمال فوزك بمسابقة يانصيب بمقدار ٣٥٠ مرة. قد يصيبك هذا بالفزع الشديد، لكن الوضع الحقيقي قد يكون أسوأ من ذلك. إذا كان أصحاب نظرية «ترابط الكوارث» على صواب، فإن تاريخ الأرض قد شهد فترات معينة كان فيها كوكبنا، أو ربما نظامنا الشمسي بأكمله، يدور في بقعة من الفضاء تحتوي على حطام يفوق في كثرته الحد الطبيعي بمراحل؛ ما أدَّى إلى زيادة كبيرة في أحداث الاصطدام على كافة المستويات.

وهناك عدد من النظريات تلقي باللوم في هذه الزيادة الدورية للحطام الفضائي التي تهدد الأرض على الخلل العارض الذي سببته «سحابة أورت»، وهي سرب كروي كبير من المذنبات تغلف نظامنا الشمسي بأكمله فيما هو أبعد من مدار بلوتو. وفي العادة تسير المذنبات في تلك السحابة في مدارات ضخمة تستغرق ما يقرب من ربع الطريق إلى أقرب نجم، ونادرًا ما تدخل النظام الشمسي الداخلي، ولا تفعل ذلك إلا مَثنى وفُرادى. ومع ذلك، يقال إنه إذا تداخل أي تأثير خارجي مع السحابة، فقد يتغير مدار المئات أو الآلاف منها فيحثها ذلك على التوجه نحو الشمس، وهو ما يزيد كثيرًا من خطر تصادمها مع كواكب النظام الشمسي بما في ذلك كوكب الأرض. وقد طرح الباحثون احتمالات متعددة لكيفية حدوث اختلال دوري في سحابة أورت، بسبب المرور عبر سحابة الكوكب إكس الأسطوري الذي طالت رحلة البحث عنه، والذي يعتقد بعض العلماء أنه يدور في مدار أبعد بكثير من كوكب بلوتو المتجمد، وكويكب سيدْنا الذي اكتُشف مؤخرًا، أو بسبب جرم بعيد معتم شبيه بالشمس.

فرضية شيفا

هناك نظرية بديلة مثيرة للاهتمام تُعرف باسم «فرضية شيفا»، وقد سُميت باسم إله الفناء والبعث عند الهندوس، وقد روَّج لها بقوة مايك رامبينو من جامعة نيويورك وزملاؤه؛ إذ يعتقدون أن حالات الانقراض الكبرى المدونة في السجلات الجيولوجية للأرض جاءت نتيجةً لأحداث اصطدام كبيرة تقع بانتظام كل فترة تتراوح بين ٢٦ و٣٠ مليون سنة. ويربط رامبينو وزملاؤه هذا بمدار نظامنا الشمسي — بما في ذلك كوكب الأرض — حول مركز مجرتنا درب التبانة، وهو مدار يتحرك صعودًا وهبوطًا في حركة تشبه حركة الأمواج. كل ٣٠ مليون سنة أو نحو ذلك، يأخذ هذا المدار المتموج الشمس وكواكبها فيمر بها خلال سطح مجرتنا التي تشبه القرص، وذلك حين توفر جاذبية الكتلة الضخمة من النجوم الموجودة في قلب المجرة مزيدًا من قوة الجذب. ووفقًا للمدرسة التي يتبعها رامبينو، فإن هذا يكفي لإيقاع خلل في مدارات مذنبات سحابة أورت يكفي لإرسال دفق جديد من المذنبات إلى قلب النظام الشمسي؛ ما يزيد كثيرًا من وتيرة الاصطدامات الكبيرة للأجرام السماوية بكوكب الأرض. لم تمر إلا بضعة ملايين من السنين منذ أن مر نظامنا الشمسي الماضي عبر سطح المجرة؛ فهل يمكن أن تكون كوكبة من المذنبات في طريقها نحونا في هذه اللحظة؟ بحلول الوقت الذي نكتشف فيه ذلك، سيكون الوقت قد فات بالفعل.

تنادي فرضية شيفا بدورية حدوث تعمل على مقاييس زمنية جيولوجية؛ ولهذا السبب نادرًا ما يجري تناولها في المناقشات التي تدور حول الخطر المباشر القادم من حوادث الاصطدام بجرم كوني. ومن الأمور التي تتعلق كثيرًا باعتبارات سلامتنا وبقائنا — نحن وأسلافنا — قول العالمَين الفلكيين البريطانيين فيكتور كلوب وبيل نابير إن مجموعات من الأجرام الكونية تضرب الأرض كل بضعة آلاف من السنين، وإن كوكبنا قد تعرَّض لقصف عنيف خلال العصر البرونزي؛ أي قبل ٤٠٠٠ سنة فقط من الآن. ولمعرفة ما قد يكون السبب في وقوع ذلك القصف الذي بلغ قرب عهده مبلغًا يثير القلق، نحتاج إلى العودة إلى سحابة أورت في أعمق أعماق الفضاء. وإذا نحينا جانبًا اختلال السحابة نظرًا لمرور النظام الشمسي حول المجرة، فالأمر الطبيعي هو أن نشهد هبوط مذنب جديد من السحابة بين الحين والآخر إلى النظام الشمسي الداخلي، وهو ما قد يتكرر كل ٢٠ ألف سنة. وسرعان ما «تستحوذ» حقول الجاذبية القوية للشمس أو المشتري على الوافد الجديد وتمزقه إربًا إربًا لتتشكل حلقة من الحطام تنتشر على طول المدار، لكنها تتركز تحديدًا حول موضع المذنب الأصلي نفسه. ويمكن لمذنب كبير تفكَّك بهذه الطريقة أن «يبذر» النظام الشمسي الداخلي بما قد يصل إلى مليون كتلة صخرية قطر الواحدة منها كيلومتر واحد؛ ما يسبب زيادة هائلة في عدد الأجرام التي تهدد كوكب الأرض، ويزيد كثيرًا من فرص تعرُّض كوكبنا للاصطدام. ويرى كلوب ونابير، وغيرهما من أتباع مدرسة نظرية «ترابط الكوارث»، أن آخر دخول لمذنب عملاق من سحابة أورت إلى نظامنا الشمسي كان في نهاية العصر الجليدي الأخير — أي لا يفصل بيننا وبين ذلك الحدث سوى ١٠ آلاف سنة أو نحو ذلك — مما تسبب في تشكيل كتلة من الحطام تُعرف باسم التجمع الثوري (نسبة إلى كوكبة الثور). في شهر ديسمبر من كل عام تمر الأرض عبر جزء من هذا التجمع الحطامي؛ مما يؤدى أحيانًا إلى ظهور عرض ضوئي مذهل سببه عاصفة النيازك الثورية، وتكون في صورة شظايا صخرية صغيرة وصخور في حجم الحصى تحترق في الغلاف الجوي العلوي. ومع ذلك، فهذه الجسيمات والقطع غير المؤذية ليست سوى ذيل التجمع الثوري الذي يضم في قلبه مذنبًا قطره ٥ كيلومترات يعبر أرضنا ويُعرف باسم إنكي، ويرافقه ما لا يقل عن أربعين كويكبًا، لو اصطدم أحدها بكوكبنا لَسبَّبَ فوضى تشمل العالم بأسره.

توزيع الحطام

يتشابه توزيع الحطام على طول مدار التجمع الثوري حول الشمس مع توزيع العدَّائين في سباق لمسافة ١٠ آلاف متر؛ ففي حين يتجمع أغلب العدائين معًا في زمرة واحدة، تنتشر بقيتهم هنا وهناك حول مضمار السباق. ويقول أصحاب نظرية «ترابط الكوارث» إنه في معظم السنوات يعبر مدارُ الأرض مدارَ التجمع الثوري عند نقطة يقل فيها الحطام؛ ما يؤدي إلى ظهور مشهد ما قبل عيد الميلاد. وكل فترة تتراوح بين ٢٥٠٠ و٣٠٠٠ عام أو نحو ذلك، تمر الأرض عبر ما يشبه زمرة المتسابقين، فتجد نفسها على الطرف المستقبِل لوابل من الكتل الصخرية قد يصل قطر الواحدة منها إلى ما يتراوح بين ٢٠٠ و٣٠٠ متر. ويرى بيني بيسر — وهو متخصص في علم الأنثروبولوجيا الاجتماعية في جامعة جون مورز ليفربول — أنه قبل نحو ٤٠٠٠ سنة أدَّى قصفٌ من هذا النوع إلى انهيار العديد من الحضارات القديمة خلال الألفية الثالثة قبل الميلاد. وفسر هو وغيره الكتابات المعاصرة لذلك في ضوء سلسلة من الاصطدامات كانت من الضآلة بحيث لا تكفي ليكون لها أثر يشمل الكوكب بأكمله، لكنها كانت كافية جدًّا لإيقاع الفوضى في العالم القديم، وذلك عن طريق توليد موجات صدمة مدمرة في الغلاف الجوي، وزلازل، وموجات تسونامي، وحرائق غابات. ويبدو أن العديد من المراكز الحضرية في أوروبا وأفريقيا وآسيا قد انهارت في وقتٍ واحد تقريبًا، وذلك نحو عام ٢٣٥٠ قبل الميلاد، بينما كثرت الفيضانات والحرائق والزلازل والفوضى العامة. وبطبيعة الحال، فإن تلك الروايات الخيالية في بعض الأحيان مفتوحة أمام التفسيرات البديلة، ولا تزال الأدلة الدامغة على وقوع قصفٍ من الفضاء في ذلك الزمان بعيدة المنال.

قدَّر العلماء أعمار سبع فوهات اصطدام في أستراليا وإستونيا والأرجنتين بين ٤٠٠٠ و٥٠٠٠ سنة، ولا يزال البحث عن فوهات أخرى مستمرًّا. والأمر الذي يصعب الدفاع عنه هو قول البعض إن انهيار الإمبراطورية الرومانية وبداية العصور المظلمة لعلهما قد نجما — بطريقة أو بأخرى — عن زيادة أعداد الاصطدامات حين مرت الأرض آخر مرة عبر الجزء الكثيف من التجمع الثوري بين عامَي ٤٠٠ و٦٠٠ للميلاد. والأدلة المادية على ذلك ضعيفة، وفترات تدهور المناخ التي تُعزى إلى الاصطدامات في ذلك الزمان يمكن أن تُفسرها انفجارات بركانية كبيرة. الواقع أنه في السنوات الأخيرة كانت هناك نزعة مثيرة للقلق في أوساط علماء الآثار وعلماء الأنثروبولوجيا والمؤرخين إلى محاولة تفسير كل حدث تاريخي في ضوء وقوع كارثة طبيعية من نوعٍ ما — سواءٌ أكانت اصطدامًا للأرض بكويكب، أم ثورة بركانية، أم زلزالًا — وكان العديد منها يقوم على أوهى الأدلة. ولما كان الهدف من هذا الكتاب هو تسليط الضوء على كيفية تأثير الكوارث الطبيعية علينا جميعًا، فسيكون من الحماقة القول إن الحضارات الماضية لم تعانِ عدة مراتٍ ويلاتِ الطبيعة. ومع ذلك، فمَنْ ينسب كل الأحداث — من الحرب الأهلية الإنجليزية والثورة الفرنسية، إلى سقوط روما وزحف جنكيز خان غربًا — إلى كوارث طبيعية، لا يفعل شيئًا سوى التقليل من قيمة التبعات الكارثية المحتملة للأخطار الطبيعية، وتهميش دور الطبيعة في تشكيل مسيرة الحضارة.

اضغط على الرابط لقرائة باقي المقال
⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩

إرسال رد أو تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها