فك مغاليق حُلم مضادات الأكسدة

2017-04-25

فك حُلم مضادات الأكسدة

مهما يَقُلْ معالجو الطب البديل الشديدو الصخب، يهتم الأطباء والأكاديميون بتقفِّي الآثار التي قد تُفضي إلى نتائج؛ لذا لا تُؤخَذ مثل هذه الفرضيات الجذابة — وهو ما قد يُنقِذ ملايين الأرواح — باستخفاف. وقد جرى العمل على أساس هذه الدراسات، في ظل تجارب ضخمة كثيرة على الفيتامينات أُعِدَّت وأُجرِيَت في أماكن كثيرة حول العالم. ثمة سياق ثقافي مهم أيضًا لهذا النشاط المحموم لا يمكن تجاهله؛ ألا وهو نهاية العصر الذهبي للطب. قبل عام ١٩٣٥ لم يكن ثمة علاجات فعالة كثيرة متاحة. كان لدينا الأنسولين، وتناول الكبد لعلاج أنيميا نقص الحديد، والمورفين — وهو دواء ذو سحر سطحي على الأقل — لكن من أوجُه كثيرة، لم يكن للأطباء نفعٌ كبيرٌ. ثم فجأة، بين عامَيْ ١٩٣٥ و١٩٧٥، تمخَّض العلم عن سيل متواصل من المعجزات.

حدث كلُّ شيء تقريبًا نربط بينه وبين الطب الحديث في ذلك الوقت: علاجات مثل المضادات الحيوية، الغسيل الكلوي، زرع الأعضاء، العناية المُرَكَّزة، جراحة القلب، كل دواء سمع المرء به، وأكثر من ذلك. وفضلًا عن العلاجات الإعجازية، كنا لا نزال في طور اكتشاف تلك العوامل القاتلة الخفية، والمباشِرة، والبسيطة التي لا تزال وسائل الإعلام تشير إليها في أسًى بالغٍ في عناوينها الرئيسية. فاتَّضح أن التدخين، وهو ما أثار دهشة الجميع تقريبًا — وهو عامل خَطِر وحيد — هو السبب في جميع أنواع سرطان الرئة تقريبًا. وثبت أن مادة الأسبستوس، من خلال إجراء بحوث تتَّسم بالشجاعة وعدم التقليدية، تُسَبِّب ورم الظهارة المتوسطة.

حقَّق علماء الأوبئة في ثمانينيات القرن العشرين نجاحات متوالية، وكانوا يعتقدون أنهم سيجدون الأسباب التي تنطوي عليها أساليب الحياة لجميع الأمراض العضال التي تعاني منها البشرية. كان هذا مجالًا بدأ في الظهور عندما نزع جون سنو اليد من مضخة مياه برود ستريت في عام ١٨٥٤، وهو ما قضى على جيب وباء الكوليرا في حي السوهو من خلال قطع إمدادات الماء الملوَّث (كان الأمر أكثر تعقيدًا من ذلك، لكن لا نملك وقتًا هنا لبيان ذلك)، وكان في طريقه لأن يصير مجالًا مستقلًّا بذاته. كان الأطباء في طريقهم لتحديد المزيد والمزيد من هذه العلاقات التلازمية الأحادية بين عوامل الإصابة والأمراض، وفي خيالهم المحموم، وبواسطة إجراءات علاجية بسيطة ومشورات حَذِرة، كانوا في طريقهم لإنقاذ أممٍ بأكملها من البشر. لم يتحقَّق جانبٌ كبيرٌ من هذا الحلم؛ إذ اتضح أن الأمر أكثر تعقيدًا من ذلك.

أُجْرِيَت تجربتان كبيرتان على مضادات الأكسدة بعد نشر ورقة بيتو البحثية (وهو ما يكذِّب ادِّعاءات مُختَصي التغذية بأن الفيتامينات لم تتمَّ دراستها على الإطلاق؛ إذ لا يمكن تسجيلها كبراءات اختراع. في حقيقة الأمر، أُجْرِيَ العديد من تجارب كهذه، على الرغم من أن صناعة المكمِّلات الغذائية، وهي صناعة تُقدَّر وَفْق أحد التقديرات بأكثر من ٥٠ مليار دولار عالميًّا، نادرًا ما تتكرم بتمويلها). أُجريت إحدى هذه التجارب في فنلندا؛ حيث جرى ضم ٣٠ ألف مشارك معرضين للإصابة بسرطان الرئة، ثم وُزِّعوا عشوائيًّا لتلقِّي بيتا كاروتين، أو فيتامين ﻫ، أو كليهما، أو عدم تلقي شيء. لم تكن حالات الإصابة بسرطان الرئة بين المشاركين الذين كانوا يتلقَّوْن مكمِّلات بيتا كاروتين المفترض كونها وقائيةً أكثر وحسب، مقارنة بالعلاج الوهمي، لكن هذه المجموعة التي تناولت الفيتامين وقعت بينها حالات وفاة أكثر بشكل عام، جرَّاء سرطان الرئة وأمراض القلب.

كانت نتائج التجربة الأخرى أسوأ، وأُطلِق عليها «تجربة فاعلية الرتينول والكاروتين»؛ تمجيدًا لمحتوى البيتا كاروتين المرتفع في الجَزَر. ومن الجدير بالملاحظة، بينما لا نزال هنا، أن الجَزَر كان مصدر إحدى عمليات التضليل الكبرى في الحرب العالمية الثانية، عندما لم يفهم الألمان كيف كان طيَّارونا يستطيعون رؤية طائراتهم آتيةً من مسافات بعيدة، حتى في الظلام. وحتى نمنعهم من اكتشاف كوننا قد اخترعنا شيئًا حاذقًا مثل الرادار (وهو ما اخترعناه فعلًا)، أطلق البريطانيون شائعة غذائية محكَمَة ومفبركة تمامًا؛ فأوضحوا أن الكاروتين في الجَزَر ينتقل إلى العين ويتحوَّل إلى شبكية، وهو الجزيء الذي يكشف الضوء في العين (هذا صحيح بصورة أساسية، ويُعتبر آلية مُقنِعة؛ مثل تلك الآليات التي ناقشناها من قبل). وهكذا، وبينما كانوا بلا شك يضحكون خلف شواربهم المميزة للقوات الجوية الملكية، كنا نحن نطعم قواتنا أطباقًا ضخمة مليئة بالجَزَر، وهو ما أتى بنتيجة جيدة إلى حدٍّ بعيد.

جرت دراسة مجموعتَيْن من الأشخاص في مرحلة متقدمة من سرطان الرئة؛ مجموعة من المدخِّنين، والأخرى تألَّفت من الأشخاص الذين تعرَّضوا إلى الأسبستوس في عملهم. أُعْطِيَ نصفُهم بيتا كاروتين وفيتامين أ، بينما أُعطِي النصفُ الآخر علاجًا وهميًّا. كان من المقرر إشراك ثمانية عشر ألف شخص خلال مدة التجربة، وكانت الغاية أن تتم متابعة حالات هؤلاء على مدار ست سنوات في المتوسط، إلا أن التجربة أُنْهِيَت قبل موعدها؛ لأن الاستمرار فيها اعتُبِرَ أمرًا غير أخلاقي. لماذا؟ كان الأشخاص الذين يتناولون أقراص مضادات الأكسدة أكثر عرضةً للموت جرَّاء سرطان الرئة بنسبة ٤٦ في المائة، وأكثر عرضةً للموت بنسبة ١٧ في المائة جراء أي سبب آخر،١ مقارنة بالأشخاص الذين كانوا يتلقَّون الأقراص الوهمية. ليست هذه التجربة خبرًا جديدًا، خارجًا لتوِّهِ من المطبعة؛ فقد حدث هذا الأمر من أكثر من عقد مضى.

منذ ذلك الحين واصلت بيانات تجارب مكمِّلات الفيتامين المضادة للأكسدة، التي يُستخدم فيها العلاج الوهمي كعنصر ضابط، تقديمَ نتائج سلبية. وتجمع أحدث مراجعات كوكرين للأدبيات المتوافرة جميع التجارب حول الموضوع معًا، بعد الرجوع إلى أكبر قدر ممكن من البيانات باستخدام استراتيجيات البحث المنهجية المذكورة بالأعلى (بدلًا من الدراسات القائمة على «انتقاء الأدلة» لتنفيذ أجندة ما)؛ حيث تُقيِّم هذه المراجعات جودة الدراسات، ثم تضعها جميعًا في جدول كبير لتقدِّم أدق تقدير ممكن لمخاطر الفوائد، وتشير إلى أن مكمِّلات مضادات الأكسدة غير فعالة، بل ربما تكون ضارة.

الوقاية من سرطان الرئة

استقت مراجعة كوكرين حول الوقاية من سرطان الرئة البياناتِ من أربع تجارب، مشيرة إلى تجارب أكثر من ١٠٠ ألف مشارك، وخَلُصَت إلى عدم وجود أي فائدة من مضادات الأكسدة، بل زيادة في معدلات خطر الإصابة بسرطان الرئة لدى المشاركين الذين يتناولون البيتا كاروتين والرتينول معًا. وقد بحثت أحدث مراجعة منهجية وتحليل ماورائي حول استخدام مضادات الأكسدة للحدِّ من النوبات القلبية والسكتات الدماغية استخدام فيتامين ﻫ، مثلما جرى بحث تناول البيتا كاروتين بصورة منفصلة، في خمس عشرة تجربة، ولم تجد أي فائدة من استخدام أيٍّ منهما. وبالنسبة إلى لبيتا كاروتين، كانت ثمة زيادة صغيرة، لكنها دالة، في معدلات الوفاة.

مؤخرًا، بحثت إحدى مراجعات كوكرين عدد الوفيات، جرَّاء أي سبب، في جميع التجارب الموزَّعة عشوائيًّا التي يُستخدم فيها العلاج الوهمي كعنصر ضابط على مضادات الأكسدة منذ بداية إجرائها (واستُخدِم في الكثير منها جرعات كبيرة، لكنها جرعات كانت تتماشى مع الجرعات التي يمكن الحصول عليها في متاجر الطعام الصحي)، مشيرةً إلى خبرات ٢٣٠ ألف شخص إجمالًا. وقد أظهرت هذه المراجعة أنه — إجمالًا — لا تَحُدُّ أقراص الفيتامينات المضادة للأكسدة من معدلات الوفيات، بل ربما تزيد من فرص الوفاة.

إلى أين يقودنا كل هذا؟ كان ثمة تلازمٌ ملحوظ بين انخفاض مستويات هذه المواد المغذِّية المضادة للأكسدة في الدم وارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان وأمراض القلب، ووجدت آلية منطقية تفسر كيف أمكن لهذه العناصر توفير الوقاية. لكن عند إعطاء هذه العناصر كمكمِّلات، اتضح أنها لا تُحدِث أي تأثير إلى الأفضل، أو كان الذين يتناولونها على الأرجح «أكثر» عرضةً للموت. بعبارة أخرى: من بعض الأوجه، يمثِّل الأمر عارًا؛ إذ تُعتبر العلاجات اللطيفة السريعة مفيدةً دومًا، لكن ها هي النتيجة. وهذا يعني أن ثمة شيئًا عجيبًا يجري، وسيكون أمرًا شائقًا أن نَسْبُرَ أغوارَ هذا الشيء ونحدِّد ماهيته.

لعل الأكثر تشويقًا هو كيف يُعَدُّ من غير المعهود بالنسبة إلى الناس أن يكونوا على وعيٍ بهذه النتائج حول مضادات الأكسدة. هناك أسباب متنوعة تفسر حدوث هذا. أولًا: هذه نتيجة غير متوقعة، على الرغم من أن مضادات الأكسدة، في هذا الإطار، تُعتبر بالكاد حالة منعزلة. فالأمور التي تنجح نظريًّا غالبًا ما لا تنجح عند التطبيق، وفي مثل هذه الحالات نحتاج إلى مراجعة نظرياتنا، حتى إذا كان الأمر مؤلمًا. فقد بدا العلاج الهرموني البديل فكرةً طيبة طوال عقود عديدة، حتى كشفت دراسات المتابعة عن المشكلات المرتبطة به؛ لذا غيَّرنا آراءنا. كذلك بدت مكمِّلات الكالسيوم في وقت ما فكرةً طيبة لعلاج هشاشة العظام، ولكن اتضح الآن أنها تزيد على الأرجح من مخاطر الإصابة بالنوبات القلبية لدى السيدات العجائز؛ لذا غيَّرنا آراءنا.

لعلها فكرة مرعبة أننا عندما نعتقد أننا نصنع خيرًا، ربما نتسبَّب في حقيقة الأمر في ضررٍ، لكنه ضررٌ يجب أن نُعايشه دائمًا، حتى خلال أكثر المواقف لطفًا. كتب طبيب الأطفال د. بنيامين سبوك كتابًا صُنِّفَ ضمن الكتب الأفضل مبيعًا، وحطَّمَ رقْمًا قياسيًّا بعنوان «العناية بالرُّضَّع والأطفال»، نُشِر للمرة الأولى في عام ١٩٤٦، وكان كتابًا في غاية التأثير والعقلانية. في الكتاب، يوصي د. سبوك بثقةٍ بضرورةِ أن ينام الأطفال الرُّضَّع على بطونهم. لم يكن لدى د. سبوك دليلٌ كافٍ على ذلك، لكننا نعرف الآن أن هذه النصيحة غير صحيحة، وأدى هذا الاقتراح الذي يبدو تافهًا، والذي تضمنه كتابه، وقُرئ واتُّبِعت نصائحه على نطاق واسع، إلى آلاف، وربما عشرات الآلاف، من الوفيات التي كان يمكن تجنُّبها بين الأطفال في المهد. فكلما استمع عددٌ أكبر من الناس إليكَ، كانت آثارُ خطأ صغير أكثرَ فداحة. وأنا أرى هذه النادرة البسيطة مزعجةً للغاية.

لكن بالطبع هناك سبب آخر أكثر بساطة وراء احتمال عدم وعي الناس بهذه النتائج بشأن مضادات الأكسدة، أو على الأقل عدم أخذها على محمل الجِدِّ؛ ألا وهو قوة الضغط الهائلة لصناعة كبيرة، في بعض الأحيان تكون قذرة، تبيع منتج رفاهية يُولَعُ به الكثير من الناس. لقد صَمَّمَت صناعةُ المكملات الغذائية صورةً عامة مفيدة لنفسها، لكنها صورة لا تدعمها الحقائق. أولًا: لا يوجد ثمة فارق بين صناعة الفيتامين والصناعات الدوائية والصناعة الكيميائية الحيوية (هذه إحدى رسائل هذا الكتاب، على أي حال؛ ألا وهي أن ألاعيب الصناعة لا تختلف في العالم أجمع). وتشمل قائمة اللاعبين الرئيسيين شركات مثل روتش وآفنتس، وبايوكير، تلك الشركة التي تصنع أقراص الفيتامين ويعمل لديها باتريك هولفورد، مُختَص التغذية في الإعلام، وتمتلك شركة إلدر للصناعات الدوائية جزءًا منها، إلخ. تُعتبر صناعة الفيتامين أيضًا — على نحو مثير — أسطورية في عالم الاقتصاد باعتبارها الموقع لأشنع اتحاد احتكاري للمنتجين، يعمل على تثبيت الأسعار، جرى توثيقه على الدوام. وخلال تسعينيات القرن العشرين، أُجبرت الشركات المُدانة على دفع «غرامات جنائية هي الأكبر في التاريخ القانوني» — ١٫٥ مليار دولار أمريكي إجمالًا — بعد الإقرار بارتكاب مخالفات ضد وزارة العدل الأمريكية والجهات الرقابية في كندا، وأستراليا، والاتحاد الأوروبي. إنها صناعة مقصورة على مَن فيها فقط.

منتجات صناعة أقراص المكملات الغذائية

متى نُشِرَ أي دليل يشير إلى أن منتجات صناعة أقراص المكملات الغذائية التي تبلغ ٥٠ مليار دولار غير فعالة، أو حتى ضارة، تَعُدْ ماكينة تسويق جبارة في تثاقل للحياة، مُصَدِّرَةً انتقاداتٍ منهجية غير صحيحة ولا أساس لها للبيانات المنشورة؛ من أجل إثارة البلبلة، ولكن ليس بما يكفي بما يجعلها جديرةً بالالتفات إليها خلال مناقشةٍ أكاديمية مفيدة، على أن هذا ليس هدفَ الشركات العاملة في هذه الصناعة. ويُعَدُّ هذا واحدًا من أساليب إدارة المخاطر التي عفا عليها الزمن، المتَّبَعَة في صناعات عديدة، بما في ذلك صناعات إنتاج التبغ، والأسبستوس، والرصاص، وكلوريد الفينيل، والكروم، وغير ذلك. يُطلَق على هذا الأسلوب «تصنيع الشك»، وفي عام ١٩٦٩ كان أحد المسئولين التنفيذيين في مجال صناعة التبغ من الغباء بما يكفي؛ حيث دوَّن هذا على الورق في مذكِّرة؛ إذ كتب قائلًا: «الشكُّ منتجنا؛ حيث إن ذلك هو الوسيلة الفضلى للمنافسة مع «منظومة الحقائق» التي توجد في عقول العامة. وهو أيضًا وسيلة لإذكاء الجدل.»

لا يجرؤ أحدٌ في وسائل الإعلام على معارضة هذه الأساليب؛ إذ تَنْصِب جماعات المصالح دفاعات تنطوي على ادِّعاءات تبدو علمية عن منتجاتها؛ لأن وسائل الإعلام تشعر بالخوف، وتفتقر المهارات اللازمة للقيام بذلك. وحتى إذا فعلوا، فسيكون ثمة مناقشة محيرة وتقنية في المحطات الإذاعية، لن يرغب أحدٌ في الاستماع إليها، وفي أفضل الأحوال لن يستمع المستهلكون إلا إلى «خلاف»؛ وبهذا تكون المهمة قد نُفِّذَت. لا أعتقد أن أقراص المكملات الغذائية في خطورة التبغ — توجد أشياء قليلة في خطورته — لكن من الصعوبة بمكان تصوُّر أي نوع آخر من الأقراص يمكن أن تُنشَر بحوث عنه تُظهِر إمكانية تسبُّبه في زيادة معدَّلات الوفاة، ثم تُستخدم أرقام إحصاءات الصناعة مرارًا لدرجة الملل، ثم تمر الأمور في يسرٍ مثلما يحدث مع موظفي شركات الفيتامينات عندما تُنشر بحوث حول أخطارها. ولكن حينئذ، بالطبع، تمتلك الكثير من هذه الشركات مساحات خاصة بها في وسائل الإعلام لبيع منتجاتها وترويج رُؤَاها للعالَم.

تمثِّل قصة مضادات الأكسدة مثالًا ممتازًا لمدى وجوب انتباهنا إلى اتِّباع مشاعرنا الحَدْسِيَّة دون تفكير بناءً على بيانات معملية ونظرية، والافتراض بسذاجة، على نحو اختزالي، أن هذا سيرتبط تلقائيًّا بشكل حتمي بالنصائح الغذائية ونصائح تناول المكملات، مثلما يريدنا مُختَصُّو التغذية في الإعلام أن نفعل. إنه مثال رائع على كون هذه الشخصيات لا يمكن أن تُعتبر بأي حال من الأحوال مصدرَ ثقاتٍ للمعلومات البحثية، وسنُبْلِي جميعًا بلاءً حسنًا إذا تذكَّرنا هذه القصة في المرة القادمة عندما يحاول أحد الأشخاص أن يُقنِعَنا باستخدام بيانات اختبارات الدم، أو يتحدث عن الجزيئات، أو النظريات التي تعتمد على رسوم بيانية ضخمة ومتشابكة للتمثيل الغذائي، أو بضرورة شراء كتابه، أو اتِّباع حِمْيَتِه العجيبة، أو شراء علبة أقراصه.

يوضِّح هذا — أكثر من أي شيء — كيف يمكن توظيف هذه الرؤية الشديدة التعقيد والاختزال للغذاء في التضليل والبيع المُفْرِط. ولا أعتقد أنَّ من قبيل المبالغة الحديثَ عن أشخاص يُستضعَفُون وتُشَلُّ قدرتُهم من خلال الإرباك، في ظل كل الرسائل المتعارضة والمعقدة بلا داعٍ حول الطعام. إذا كنت قَلِقًا حقًّا، يمكنك شراء «فروتلا بلاس» المزودة بفيتامينات أ، وج، وﻫ والكالسيوم، وخلال كريسماس عام ٢٠٠٧ ظهر منتجان لمضادات أكسدة في السوق، وهو ما مثَّل التعبير الأجْلَى لما تسبَّبت فيه حركة علم التغذية من تحريفٍ وتشويه لتفكيرنا السليم تجاه الطعام. كانت «تشوكسي بلاس» شوكولاتة باللبن تحتوي على «مضادات أكسدة» إضافية. وتقول صحيفة «ديلي ميرور» عنها إنها «أجمل من أن تكون حقيقية.» ووَفْق صحيفة «ذا ديلي تليجراف»: «إنها شوكولاتة طيبة لك، ومغرية أيضًا.» ووَفق صحيفة «ديلي ميل»: «شوكولاتة بلا شعور بالذنب. إنها قطعة الشوكولاتة الأكثر «فائدة» من خمسة أرطال من التفاح.» حتى إن الشركة المنتجة «توصي» بتناول قطعتين من الشوكولاتة التي تنتجها يوميًّا. في الوقت نفسه، تروِّج سلسلة سنسبري لنبيذ «رد هارت» — الذي يحتوي على مضادات أكسدة إضافية — كما لو كان تناوُل هذا شيئًا يجب على أحفادك عمله.

لو كنتَ بصدد تأليف كتاب حول أسلوب الحياة، لاحتوى على النصائح نفسها في كل صفحة، ولتعرفت عليها جميعًا في الحال. تناوَلِ الكثيرَ من الفواكه والخضراوات، وعَشْ حياتك كلها بكل طريقة تستطيعها. مارِسِ الرياضة بانتظام كجزء من روتينك اليومي، تجنَّبِ السِّمْنة المُفْرِطة، لا تُفرِط في تناول المشروبات الكحولية، لا تدخِّن، ولا تنْسَ الأسباب البسيطة الأساسية الحقيقية التي تفضي إلى تدهور الصحة. لكن مثلما سنرى، حتى هذه الأشياء يصعب عملها بمفردك، وفي الواقع تحتاج إلى تغييرات اجتماعية وسياسية شاملة.

اضغط على الرابط لقرائة باقي المقال
⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩

إرسال رد أو تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها