فيثاغورس وفرقته

2017-05-21

فيثاغورس وفرقته

(أ) نشأ فيثاغورس في ساموس، وكانت جزيرة أيونية مشهورة ببحريتها وتجارتها، وتقدم الفنون فيها، طَوَّفَ في أنحاء الشرق، ولما ناهز الأربعين قصد إلى إيطاليا الجنوبية، وكان المهاجرون اليونان قد بلغوا فيها درجة عالية من المدنية والثقافة، ونزل ثغر أقروطونا؛ حيث كانت مدرسة طبية شهيرة، وما لبث أن عرف بالعلم والفضل، فطلب إليه مجلس الشيوخ فيما يذكر أن يعظَ الشعبَ ففعل فذاع اسمه وأقبل عليه المريدون من مختلف مدن إيطاليا وصقلية، وحتى من روما؛ فأنشأ فرقة دينية علمية تشبه الأرفية، أو هي أخذت عنها، ثم أثرت فيها، وكانت فرقته مفتوحة للرجال وللنساء من

اليونان والأجانب على السواء؛ يعيش أعضاؤها في عفة وبساطة بموجب قانون ينصعلى الملبس، والمأكل، والصلاة، والترتيل، والدرس، والرياضة البدنية؛ فكانوا منظمين تنظيمًا وكان المعلم متشبعًا ،« أن المعلم قد قال » دقيقًا يصدعون بما يؤمرون غير ناظرين إلا إلى بعاطفة دينية قوية ومقتنعًا بفكرة جليلة هي أن العلم وسيلة فعالة لتهذيب الأخلاق وتقديس النفس؛ فجعل من العلم رياضة دينية إلى جانب الشعائر، ووجه تلاميذه هذه الوجهة؛ فاشتغلوا بالرياضيات، والفلك، والموسيقى، والطب، وشرح هوميروس وهزيود. (ب) وكان طبيعيٍّا من هذه الجماعة المثقفة المتضامنة الرامية إلى الإصلاح في بلد حديث خلو من التقاليد، كثير التقلبات الديموقراطية، أن تفكر في السياسة وتميل إلى نظام أرستقراطي يقر الأمور في نصابها فتؤثر من هذه الناحية أيضًا فيمن ينتمي إليها من الحكام والأهلين؛ بل تتحول إلى هيئة سياسية وتتولى الحكم بنفسها، وهذا ما حدث في أقروطونا وغيرها من المدن الإيطالية في ظروف لم تصل إلينا أخبارها؛ غير أن الشعب والأعيان المبعدين عن الحكم لم يرضوا عن هذا الانقلاب، وما زال المعارضون يعملون في الخفاء حتى تألبوا ذات يوم على الدار التي كان زعماء الفرقة مجتمعين فيها فأحرقوها؛ ولم ينجُ من الفيثاغوريين سوى اثنين، أما فيثاغورس فقد قيل: إن حملات أعدائه اضطرته للهجرة فاعتزل في ميتابونتس ومات هناك قبل الثورة، وقيل: بل كان في أقروطونا ولكنه كان متغيبًا عن مركز الجمعية يوم الحريق فاستطاع أن ينجو بنفسه، وذهب إلى لوقريس ثم إلى ترنتا، وأخيرًا إلى ميتابونتس وقضىفيها بعد أن صام أربعين يومًا، وشبت الثورات على أنصاره في مختلف المدن فثبتوا لها في مدينتي رچيوم وترنتا، وعبر البحر إلى القارة اليونانية من خذل منهم؛ فقصد فريق إلى طيبة، وآخر إلى فليونتس، ولما تعاظم شأن أثينا قدمها نفر منهم، فكان لهم أثر خطير في الفلسفة والعلوم، ثم تلاشت الجمعية في عهد أفلاطون — حوالي سنة ٣٥٠ — ولم يبقَ منها سوى أفراد تناقلوا تعاليمها فكانوا حلقة الاتصال بين هذا العصروعصرثانٍ بدأ في منتصف القرن الأول قبل الميلاد، واستمر إلى القرن الرابع بعده. (ج) هذا ما يقال بالإجمال عن فيثاغورسوفرقته، وليس من المستطاع زيادة البيان دون الاستهداف للخطأ؛ فإن آثار رجال العصر الأول قد فقدت جميعًا، وكل ما ينسب المهذب والسياسي والطبيعي — — « كتب ثلاثة » ومن « أشعار ذهبية » لفيثاغورس من فهو منحول يرجع إلى العصرالثاني، كذلك الكتب المعزوة لتلاميذه الأولين — وأشهرهم فيلولاوس — منحولة أو مشكوك فيها إلى حد كبير، أما أقوال الفيثاغورية الجديدة عن

المدرسة القديمة فيجب أن تقابل بغاية الحذر لما فيها من ميل ظاهر إلى الغريب الشاذ ومن تأويل شخصي، يزاد على ذلك أنها تضيف للفيثاغورية الأولى أفكارًا وأمورًا لم تعرف إلا بعدها؛ منها: الأفلاطوني، والرواقي، بل البوذي، وحتى هيرودوت — وقد عاش في الأوساط الفيثاغورية في إيطاليا الجنوبية وصقلية بعد وفاة فيثاغورس بنصف قرن — فإنه يخلط في كلامه عنه وعن جمعيته؛ ذلك أن مخيلة الأتباع والأنصار كانت قد تناولت فيثاغورس ونسجت حوله الأساطير فقالوا: إنه ابن أبولون أو هرمس ورووا عنه من الخوارق كل عجيب غريب، أما الجمعية فيروى عنها أشياء كثيرة: أشهرها أنها كانت تحرم أكل الحيوانات وبعض النبات، ويقال: إن هذا التحريم لم يكن مطلقًا، ويذكر أنها كانت سرية يتعارف أفرادها بإشارات خاصة، ويتعهدون بكتمان تعاليمها الديني منها والعلمي، وأنهم أعدموا واحدًا منهم غرقًا؛ لإفشائه سرٍّا هندسيٍّا وليس ما يمنع من التصديق بهذه السرية، لا سيما أن أرسطو نفسه، إذ يتحدث عن المذهب لا يميز بين ما كان لفيثاغورس فيه من نصيب وما كان لتلاميذه، بل يذكرهم جملة بقوله: مما يدل على أن الجمعية كانت « المدرسة الإيطالية » أو « الذين يدعون بالفيثاغوريين » وحدة توارت وراءها شخصيات أفرادها، حتى تسربت آراؤهم ومكتشفاتهم إلى الخارج فاندمجت في الثقافة اليونانية خالصة من كل شخصية.

اضغط على الرابط لقرائة باقي المقال
⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩

إرسال رد أو تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها