قلم المطبوعات المصري

2017-06-12

قلم المطبوعات المصري

وكان المصريون الراغبون في إصدار الصحف يتقدَّمون بطلباتهم إلى قلم المطبوعات المصري مباشرةً، وكان الأجانب يتقدَّمون بطلباتهم عن طريق قنصلياتهم. وكان قلم المطبوعات تابعًا أول الأمر لنظارة الخارجية المصرية، ثم انتقل إلى نظارة الداخلية، ثم إلى نظارة المالية، ثم إلى الداخلية من جديد؛ لأنه كان في الحقيقة تابعًا لرئيس مجلس النظار، فكان يتبع الوزارة التي يتولى الرئيس شئونها مع شئون الرئاسة. وفي ١١ ديسمبر سنة ١٨٧٠ صدر الدستور العثماني الأول (دستور مدحت باشا)، فأعلن مبدأ حرية الصحافة، ولكنه لم يلغِ لا قانون سنة ١٨٦٥، ولا القرار الصادر في سنة ١٨٦٧. وإذن ظل الترخيص السابق هو النظام الذي يخضع له إصدار الصحف في الدولة العلية وفي مصر، على الرغم من النص الدستوري الطارئ. وفي ٢٦ نوفمبر سنة ١٨٨١ — وقد توجت مساعي الخديوي إسماعيل في سبيل استقلال مصر الذاتي بتشريعها الخاص دون التقيُّد بالتشريع العثماني — صدر قانون المطبوعات المصري الأول، وقد أُخِذ عن التشريع الفرنسي الصادر في سنة ١٨٥٣، على الرغم من أنَّ تشريعًا فرنسيًّا جديدًا كان قد صدر في شهر يوليو من نفس السنة. وقد ميَّزتْ أحكامُ هذا القانون بين المطابع والصحف، فقضت مادته الأولى بألا تُفتَح مطبعة إلا بترخيص سابق من ناظر الداخلية، وبعد دفع تأمين قدره ١٠٠ جنيه، فكان هذا أول تشريع في مصر وفي الدولة العلية كلها يُدخِل مبدأ التأمين المالي. وقضى القانون بأن يكون حق ناظر الداخلية في الترخيص مُطلَقًا، وكذلك قضى بإطلاق حقه في إغلاق المطبعة إذا خالفت حكمًا من أحكامه. وإذا كان إطلاق هذا الحق مأخوذًا عن التشريع الفرنسي، فإنه كان في مصر أقسى منه في فرنسا؛ لأن فرنسا تستند في نظامها إلى مجلس الدولة، الذي تُرفَع إليه الشكاوى من تصرفات الحكومة الإدارية، يفصل فيها ويحكم على الحكومة إذا رأى إلغاء قراراتها، ويأذن بإعادة فتح المطبعة إذا كانت قد أغلقتها. أما في مصر فليس فيها نظام مجلس الدولة، والمحاكم ممنوعة من النظر في موضوع الإجراءات الإدارية، إلا في حدود الحكم بالتعويض عن الضرر الذي يكون قد وقع بمَن صدرت في حقه الإجراءات.

إلى جانب شرط الترخيص السابق اشترط على الراغب في فتح مطبعة أن يخطِر بالمكتوب المراد طَبْعُه قبل الطبع، وإيداع خمس نسخ من كل صحيفة قبل بيعها أو توزيعها، وذِكْر اسم المطبعة وعنوانها على كل مطبوع علني. ونص في القانون على عقوبات لمخالفة أحكامه تذهب من الغرامات المالية إلى إغلاق المطبعة وسَحْب رخصتها.

المطبعة

هذا خاص بالمطبعة. أما الصحف فقد ميز فيها بين الصحف التي تتعرض للمسائل السياسية والإدارية والدينية، والصحف التي لا تتعرض لهذه المسائل، ويقصر نشاطها على الناحيتين الأدبية والعلمية. والصحف الأولى وحدها هي التي يفرض عليها طلب الترخيص السابق، أما الصحف الثانية فيكتفى لإصدارها بمجرد إخطارٍ يُرسَل إلى إدارة المطبوعات. واشترط القانون كذلك أن يودِع صاحب الصحيفة مبلغ ١٠٠ جنيه إذا كانت صحيفته يومية، و٥٠ جنيهًا إذا كانت الصحيفة أسبوعية، كما اشترط أن يكون رئيس التحرير بالنسبة للصحف التي تعرض للمسائل السياسية والإدارية والدينية من ذوي السمعة الحسنة. ونَصَّ القانونُ على عقوبات تذهب من الإنذار إلى التعطيل المؤقت، إلى التعطيل النهائي، على أن يكون الإنذار من اختصاص وزير الداخلية، وأن يكون التعطيل في حالتيه بقرار من مجلس النظَّار، ونُصَّ في القانون كذلك على أنه واجب التطبيق على المصريين وعلى الأجانب على حدٍّ سواء. وحدث أن كان التطبيق على الأجانب محل خلافٍ ذهب إلى القضاء المختلط وفصل فيه. وكانت القضية الأولى التي رُفِعت في هذا الصدد قضية لجريدة الأهرام رفعتها سنة ١٨٨٤ على الحكومة المصرية، تُطالِبها بالتعويض لما أصابها من قرارٍ صدر بتعطيلها، وكانت الأهرام تستند إلى أنَّ صاحبها متمتع بالحماية الفرنسية، وأنَّ التشريع المصري لا ينطبق عليها. وقد قضت المحكمة المختلطة بأن للحكومة المصرية أن تنفذ قانون المطبوعات في الصحافة المصرية وفي الصحافة الأجنبية، التي تظهر في مصر على حدٍّ سواء، ورضيت القنصلية الفرنسية في الإسكندرية — حيث كان مقر جريدة الأهرام في ذلك الوقت — بهذا الحكم، وقد أرادت الأهرام أن تستعين بتلك القنصلية للتدخل سياسيًّا لدى الحكومة المصرية.

وظل قانون المطبوعات المصري الأول — وهو الذي صدر في سنة ١٨٨١ — معمولًا به حتى سنة ١٨٩٤؛ إذ أُهمِل تطبيقه وتُرِكت الصحافة حرة، وكانت حريتها مُطلَقة، فكانت الصحف تصدر بترخيص أو بغير ترخيص. ولم تكن عقوبات إدارية توقع عليها بحال لا بالإنذار، ولا بالتعطيل المؤقت، ولا بالتعطيل النهائي. فظل الحال على هذا المنوال حتى سنة ١٩٠٩، بحيث يصح وصف تلك السنوات من سنة ١٨٩٤ و١٩٠٩ بأنها العهد الذهبي للصحافة في مصر. وفي ٢٥ مارس سنة ١٩٠٩ أعيد العمل بقانون المطبوعات، ولكنه أعيد بالنسبة للصحف الحديثة وحدها، بمعنى أنَّ كل راغب في إصدار صحيفة يجب أن يتقدَّم بطلب، ويجب أن ينتظر الترخيص الذي قد يُمنَح والذي قد يُمنَع. أما الصحف التي كانت قائمة في ذلك التاريخ، فقد اعتبرت كأن مطابعها قد دفعت التأمين، وكأن الترخيص قد صدر إليها.

وظل قانون المطبوعات نافذًا بأحكامه كلها حتى ١٩١٤؛ إذ أُعلِنت الأحكام العرفية البريطانية، فأصبحت الحكومة المصرية وقد تركت لها السلطةُ العسكرية البريطانية تولِّي اختصاصاتها المدنية مطلَقةً من كل قيد، فكان لها أن تعطل الجرائد تعطيلًا نهائيًّا على الفور قبل أن تمر بأدوار الإنذار والإنذار الثاني والتعطيل المؤقت، وأصبح هذا الحق ممنوحًا لإدارة المطبوعات وحدها لا لناظر الداخلية ولا لمجلس النظَّار. ولما ألغيت الأحكام العرفية عاد العمل بقانون المطبوعات الصادر في سنة ١٨٨١، إلى أن بدأ العمل به في ١٥ مارس سنة ١٩٢٤؛ إذ إن جميع أحكام الدستور كان نفاذها معلَّقًا إلى أن يجتمع البرلمان، وقد اجتمع لأول مرة في ١٥ مارس سنة ١٩٢٤.

وقد نصت المادة الخامسة عشرة من الدستور على أنَّ «الصحافة حرة في حدود القانون، على أنَّ الرقابة على الصحف محظورة، وعلى أنَّ إنذار الصحف ووقفها وتعطيلها بالطريق الإداري محظور كذلك، إلا إذا كان ذلك ضروريًّا لحماية النظام الاجتماعي».

اضغط على الرابط لقرائة باقي المقال
⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩

إرسال رد أو تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها