قوة الجذب الكونية

2016-11-07

قوة الجذب الكونية

الجاذبية واحدة من القوى الأربع الأساسية في الطبيعة. وهي تمثِّل مَيلًا عامًّا لدى المادة بكل أشكالها إلى جذب كل أشكال المادة الأخرى. في الواقع، هناك أربع قوًى أساسية في الطبيعة (الجاذبية، والقوة الكهرومغناطيسية، والقوة النووية «القوية»، والقوة النووية «الضعيفة»). إن عمومية وانتشار قوة الجاذبية يُميِّزانها عن القوى الكهربية بين الأجسام المشحونة مثلًا. فالشحنات الكهربية يمكن أن تكون إما موجبة وإما سالبة، ورغم أنه من الممكن أن تؤدي القوى الكهربية إلى التجاذب (بين الشحنات المتباينة) أو التنافر (بين الشحنات المتشابهة)؛ فإن الجاذبية قوة جاذبة طوال الوقت. ولهذا السبب تمثل الجاذبية هذه الأهمية لعلم الكونيات.

من أوجه عدة، تعد قوة الجاذبية ضعيفة للغاية؛ فأغلب الأجسام المادية تتماسك أجزاؤها بفعل القوى الكهربية بين ذراتها، وهذه القوى أقوى أضعافًا مضاعفة من قوى الجاذبية الموجودة بين هذه الأجسام والأجسام الأخرى. لكن رغم ضعف الجاذبية فإنها هي القوة المحركة في المواقف الفلكية؛ لأن الأجرام السماوية — باستثناءات قليلة للغاية — تحتوي دائمًا على المقدار عينه من الشحنتين الموجبة والسالبة؛ ومِن ثَمَّ لا تمارس أية قوى ذات طبيعة كهربية بعضها في بعض.

أحد أوائل إنجازات الفيزياء النظرية هو نظرية الجذب العام لنيوتن، التي وحَّدتْ ما كان وقتها يبدو عددًا متفرقًا من الظواهر الفيزيائية. وتُلخِّص ثلاثة قوانين بسيطة نظريةَ نيوتن للحركة، وهي:

  • (١) يظل الجسم على حالته الحركية، إما السكون التام أو الحركة في خط مستقيم بسرعة ثابتة، ما لم تؤثر فيه قوة تُغيِّر من هذه الحالة.
  • (٢) إذا أثرت قوة محصلة في جسم أكسبتْه تسارعًا، يتناسب مقداره تناسبًا طرديًّا مع مقدار القوة المحصلة، ويكون اتجاهه في اتجاه القوة المحصلة نفسها.
  • (٣) لكلِّ قوةِ فعلٍ قوةُ ردِّ فعلٍ، مساوية لها في المقدار ومضادة في الاتجاه.

قوانين الحركة الثلاثة هذه قوانين عامة، تنطبق بالدقة عينها تقريبًا على سلوك الكُرَات على طاولة البلياردو مثلما تنطبق على حركة الأجرام السماوية. كل ما كان نيوتن بحاجة له هو التوصل إلى كيفية وصف قوة الجاذبية. وقد أدرك نيوتن أن الجسم الذي يدور في مدار دائري، كالقمر الذي يدور حول الأرض، يبذل قوة في اتجاه مركز الحركة (تمامًا مثلما يفعل الثقل المربوط في طرف خيط حين يلفه المرء حول رأسه). ويمكن أن تسبب الجاذبية هذه الحركة بالطريقة نفسها التي تسبب بها سقوط التفاح من الأشجار إلى سطح الأرض. في كلا هذين الموقفين لا بد أن تكون الحركة متجهة نحو مركز الأرض. وقد أدرك نيوتن أن الصيغة الصحيحة من المعادلة الرياضية هي قانون «تربيع عكسي» يقضي بأن «قوة الجذب بين أي جسمين تعتمد على محصلة كُتلتَيْ هذين الجسمين وعلى مربع المسافة بينهما.»

وقد تحقق انتصار نظرية نيوتن، المبنية على قانون التربيع العكسي للجذب العام، حين تمكنت هذه النظرية من تفسير قوانين الحركة الكوكبية التي وضعها يوهانز كبلر قبل أكثر من قرن مضى وقتها. وقد كان هذا النجاح عظيمًا لدرجة أن فكرة الكون الذي يسير وفقًا لقوانين نيوتن للحركة هيمنت على التفكير العلمي لأكثر من قرنين تاليين، إلى أن ظهر أينشتاين على الساحة.

ثورة أينشتاين

وُلد ألبرت أينشتاين في مدينة أولم (في ألمانيا) في الرابع عشر من مارس ١٨٧٩، لكن سرعان ما انتقلت أسرته إلى ميونخ؛ حيث قضى سنوات دراسته. لم يكن أينشتاين في صغره تلميذًا متميزًا، وفي عام ١٨٩٤ هجر التعليم النظامي كليةً حين هاجرت أسرته إلى إيطاليا. وبعد فشله في اجتياز اختبار القبول مرة واحدة، تمكَّن أخيرًا من الالتحاق بالمعهد السويسري للتكنولوجيا في زيوريخ عام ١٨٩٦. ورغم أنه أبلى بلاءً حسنًا في دراسته في زيوريخ، فإنه عجز عن الحصول على وظيفة في أي جامعة سويسرية؛ إذ كان يُعتقد أنه شخص كسول للغاية. وقد ترك الحقل الأكاديمي للعمل في مكتب لبراءات الاختراع في برن عام ١٩٠٢، وهي الوظيفة التي وفرت له راتبًا طيبًا والكثير من وقت الفراغ للتفكير في الفيزياء؛ نظرًا لأن المهام الموكلة لموظف صغير في مكتب براءات الاختراع لم تكن شاقة بالأساس.

نُشرت نظرية النسبية الخاصة لأينشتاين في عام ١٩٠٥، وهي تُعَدُّ أحدَ أعظم الإنجازات العقلية في تاريخ الفكر الإنساني. وما يجعلها أكثر لفتًا للأنظار هو حقيقة أن أينشتاين كان يعمل موظفًا في مكتب براءات الاختراع وقت وضعها، وأنه كان يمارس الفيزياء كهواية، وإن كانت هواية ثقيلة. بل والأدهى أن أينشتاين نشر في العام ذاته بحثين آخرين مبدعين عن التأثير الكهروضوئي (الذي من شأنه أن يلهم لاحقًا العديد من التطورات في نظرية الكم)، وعن ظاهرة الحركة البراونية (أي اهتزاز الجسيمات المجهرية بينما تتقاذفها التصادمات الذرية). لكن السبب الرئيس وراء تميز نظرية النسبية الخاصة عن بقية أعمال أينشتاين في ذلك الوقت، بل وأعمال زملائه في عالم الفيزياء المتعارف عليها، هو أن أينشتاين تمكن من التحرر تمامًا من مفهوم الزمن بوصفه خاصية مطلقة تسير بالمعدل عينه لكل شخص ولكل شيء. فهذه الفكرة جزء لا يتجزأ من الصورة النيوتنية للعالم، وأغلبنا يعتبرها صحيحة على نحو بديهي لدرجة أنها لا تستدعي النقاش من الأساس. وقد تطلب الأمر عبقريًّا حقيقيًّا لتحطيم تلك الحواجز المفاهيمية الضخمة.

لم يكن أينشتاين أول من فكر في مفهوم النسبية. فقد عبَّر جاليليو عن المبدأ الأساسي للنسبية قبله بنحو ثلاثة قرون؛ إذ زعم أن الحركة النسبية وحدها هي التي تهم، وبذا لا يمكن أن يكون هناك وجود لما يسمى الحركة المطلقة. وقد ذهب إلى أنك لو كنت تسافر على متن سفينة ذات سرعة ثابتة على سطح بحيرة هادئة، ما من شأن أي تجربة تجريها داخل حجيرة مغلقة داخل تلك السفينة أن توحي بأنك تتحرك على الإطلاق. بطبيعة الحال لم يكن الكثير معروفًا عن الفيزياء في عصر جاليليو؛ لذا كانت نوعية التجارب التي تصوَّرها محدودة نوعًا ما.

كل ما فعلتْه نسخة أينشتاين من مبدأ النسبية هو أن حوَّلتْه إلى نص يقضي بأن كل قوانين الطبيعة يجب أن تكون متماثلة تمامًا في نظر كل الراصدين الذين يتحركون حركة نسبية. وتحديدًا، قرر أينشتاين أن هذا المبدأ يجب أن ينطبق على نظرية الكهرومغناطيسية، التي أرساها جيمس كلارك ماكسويل، والتي تصف من ضمن ما تصف القوى العاملة بين الأجسام المشحونة المذكورة سابقًا. ومن تبعات نظرية ماكسويل أن سرعة الضوء (في الفراغ) تبدو على صورة ثابت عام. ويعني تبنِّي مبدأ النسبية بجدِّيَّة أن كل الراصدين يجب أن يقيسوا القيمة عينها لسرعة الضوء، بغَضِّ النظر عن حالة حركتهم. يبدو هذا أمرًا بسيطًا، بَيْدَ أن تبعاته كانت ثورية بكل ما تحمله الكلمة من معنًى.

أسئلة أينشتاين

قرر أينشتاين أن يسأل نفسه أسئلة محددة بشأن ما سيتم رصده في أنواع معينة من التجارب تتضمن تبادلًا لإشارات الضوء. وقد عمل كثيرًا على هذا النوع من التجارب الفكرية. على سبيل المثال، تخيَّلْ أن هناك مصباحًا ضوئيًّا موضوعًا في منتصف عربة سكك حديدية تتحرك على قضيب. في كل طرف من طرفَيِ العربة هناك ساعة حائط، ونستطيع أن نرى الوقت الذي تسجله كل ساعة حين تضيئها نبضة الضوء الصادرة عن المصباح. حين تنطلق نبضة الضوء من المصباح، تصل الإشارة الضوئية إلى كلا طرفَيِ العربة في الوقت عينه، وذلك من منظور المسافرين الجالسين داخل العربة. ويُرى الوقت عينه على كل ساعة.

الآن تصور ما يحدث من منظور راصد جالس في سكون على الرصيف يشاهد القطار وهو يعبُر أمامه. تتحرك نبضة الضوء في هذا الإطار المرجعي بنفس سرعة تحركها في نظر المسافرين. لكنَّ المسافرين الموجودين في مؤخرة العربة يتحركون نحو الإشارة، بينما المسافرون الموجودون في مقدمة العربة يتحركون مبتعدين عنها. ومِن ثَمَّ يرى هذا الراصد الساعة الموجودة في مؤخرة عربة القطار قبل أن يرى الساعة الموجودة في مقدمتها. لكن حين تضيء نبضة الضوء الساعة الموجودة في المقدمة، يكون الوقت المسجَّل عليها هو الوقت عينه الذي أظهرتْه الساعة الموجودة في المؤخرة! ومن هنا لا بد أن يستنتج هذا الراصد أنَّ ثمَّة خطأً ما في الساعتين الموجودتين على القطار.

يوضح هذا المثال أن مبدأ التزامن نسبي. فوصول نبضتَيِ الضوء يكون متزامنًا داخل الإطار المرجعي الخاص بالعربة، بَيْدَ أنه يحدث في وقتين مختلفين في الإطار المرجعي الخاص بالراصد الموجود على الرصيف. ومن الأمثلة الأخرى على الظواهر النسبوية العجيبة كلٌّ من الإبطاء الزمني (بمعنى أن الساعة تبدو وكأنها تسير ببطء) وتقلُّص الأطوال (بمعنى أن المساطر المتحركة تبدو أقلَّ طولًا). كل هذه تبعات لافتراض أن سرعة الضوء يجب أن تكون ثابتة في نظر كل الراصدين. بطبيعة الحال الأمثلة المبيَّنة سابقًا غير واقعية إلى حدٍّ ما. فَلِكَي تُحدث السرعات أي تأثيرات ملحوظة، يجب أن تكون قريبة من سرعة الضوء. ومن غير المرجح أن يتم الوصول إلى مثل هذه السرعات في عربات القطار. ومع ذلك، ثمة تجارب أوضحت أن تأثيرات الإبطاء الزمني حقيقية. ومعدل تحلل الجسيمات المشعة يصير أبطأ كثيرًا حين تتحرك على سرعات عالية لأن ساعتها الداخلية تسير على نحوٍ أبطأَ.

أنتجت النسبية الخاصة كذلك أشهر معادلة في الفيزياء كلها؛ الطاقة تساوي الكتلة مضروبةً في مربع سرعة الضوء، وهي معادلة تعبِّر عن التكافؤ بين المادة والطاقة. وقد تم التحقق من صحة هذا المبدأ تجريبيًّا، وهو الذي يقف، ضمن مبادئَ أخرى، وراء الانفجارات الذَّرِّيَّة والكيميائية.

لكن رغم روعة النسبية الخاصة فإنها غير كاملة؛ نظرًا لأنها تتعامل فقط مع الأجسام المتحركة بسرعات ثابتة بعضها بالنسبة إلى بعضٍ. لكن حتى الفصل الأول من قوانين الطبيعة، الذي وضعه نيوتن، بُني حول مُسَبِّبات ونتائج السرعات التي تتغير مع مرور الزمن. وقانون نيوتن الثاني يتعلق بمعدل تغير زخم الأجسام، وهو ما يعني بلغة رجل الشارع التسارع أو العجلة. فالنسبية الخاصة منحصرة داخل نطاق ما يسمى الحركة القصورية؛ أي حركات الجسيمات التي لا تؤثِّر فيها قوًى خارجية. وهذا يعني أن النسبية الخاصة لا يمكنها أن تصف الحركة المتسارعة من أي نوع، وتحديدًا لا يمكنها أن تصف الحركة تحت تأثير الجاذبية.

اضغط على الرابط لقرائة باقي المقال
⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩

إرسال رد أو تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها