كابلات الجسم – الجزيئات

2016-09-21

كابلات الجسم – الجزيئات

إن الفكرة القائلة بأن أجسادنا هي كتلة من تجمعات خلوية من البروتينات لا تتفق مع واقع خبراتنا؛ فنحن نشعر بأنفسنا على أننا تركيبة من المواد والأنسجة؛ من الجلد والعظام والعضلات والشعر والأظفار. ولهذه البنية من المواد خصائص ضرورية تجعلنا نتفاعل مع عالمنا؛ فالطبقة الخارجية من الجلد هي مجرد كسوة تتكون من خلايا مبرمجة على الموت بمجرد أن تكوِّن النسيج، ونفس الشيء ينطبق على الشعر الذي يحقق العزل للجسم، وعلى الأظفار التي تعد بقايا تطورية لمخالب حيوانية كانت في الماضي تخمش وتمزق. وتتكون العظام والأسنان في معظمها من مادة غير عضوية صلبة؛ فوسفات الكالسيوم. وأغلب هذه المواد يتم تجديده باستمرار أثناء حياتنا، بينما لا يحدث هذا للبعض الآخر، مثل بروتينات عدسة العين.

تمارس هذه المواد الطبيعية في الجسم أدوارًا ميكانيكية، وتحافظ على سلامتنا البنيوية؛ فهي بمنزلة اللبنات والعوارض والكسوة الخاصة بمبنًى ما؛ إذ تحمي العمال من العناصر الخارجية، وتُئْوي كل الأشياء الضرورية من أسلاك وأنابيب توصيل مطلوبة لأداء العمل كالمعتاد. يتكون الكثير من المواد البنيوية بالجسم من البروتينات، وهذه البروتينات البنيوية — بخلاف الإنزيمات — لا يتعين عليها أن تمارس أعمالًا كيميائية دقيقة، ولكن لا بد ببساطة أن تكون (على سبيل المثال) متينة أو مرنة أو مضادة للماء. نظريًّا، هناك الكثير من المواد الأخرى إلى جانب البروتينات قد تكفي لأداء هذه المهمة؛ وبالفعل، فإن النباتات تستخدم السليولوز (وهو بوليمر سكري بالأساس) لصنع أنسجتها. إلا أن أعجوبة البروتينات تتمثل في أنها شديدة التنوع؛ إذ يمكن نسج سلاسلها الجزيئية في ألياف قوية تكون متقاطعة أو متشابكة، وتُكوِّن المادة الخلوية الصلبة في القرون والمخالب، أو تشكِّل «ملاءات» مرنة. فضلًا عن هذا، فإن المواد الخام التي تُصنَع منها البروتينات توجد بكثرة في الخلايا. ولأن البروتينات يتم تشفيرها داخل الجينات، فإن الخصائص الجزيئية التي تُكسِب البروتين البنائي خواصه الميكانيكية يمكن تعديلها بدقة ثم إعادة إظهارها كما ينبغي.

يعتبر الكولاجين أكثر أنواع البروتين البنائي وفرة في الجسم البشري؛ حيث يشكِّل نحو ربع الكتلة الإجمالية للبروتين. وهو بروتين بسيط نسبيًّا؛ إذ تحتوي جزيئاته الشبيهة بالسلاسل في أغلبها على نوعين من الأحماض الأمينية؛ هما الجلايسين والبرولين. يشكل الجلايسين كل ثالث رابطة في السلسلة، فيما يقبع البرولين وأحماض أمينية أخرى (لا سيما اللايسين) في المنتصف. بعض وحدات البرولين تكون معدلة كيميائيًّا، بأن أضيفت إليها ذرة أكسجين، وهذا يحدث من خلال تفاعل يدخل فيه فيتامين ج؛ ولهذا يحتاج الجسم إلى هذا المركَّب للحفاظ على سلامة الأنسجة. ويؤدي نقص فيتامين ج إلى الحالة المعروفة بالإسقربوط، والناتجة عن الكولاجين التالف الذي لم يتم استبداله.

يُعَد الكولاجين مثلًا للطريقة التي تختلف بمقتضاها المواد البنائية الطبيعية التي أساسها البروتينات عن أغلب اللدائن التخليقية التي أساسها البوليمرات. كلتاهما تتكون من جزيئات في شكل سلاسل، ولكن في البروتينات البنائية تتجمع هذه السلاسل معًا في تكوينات مرتبة معقدة مكوِّنة لُيَيْفات أكثر سماكة، وكأنها حبال نُسجت من خيوط سميكة نُسجت من خيوط رفيعة. وهذا النوع من الترتيب الذي تُبنَى بمقتضاه العناصر البنائية بشكل متتابع من مكونات أصغر يوصف بأنه ترتيب «هرمي تدريجي». وقد تعلم المهندسون أن يستعملوا نفس المبدأ؛ إذ يحتوي برج إيفل الأعجوبة، الذي صممه جوستاف إيفل، على دعامات صُنعت من شبكات من عوارض أصغر حجمًا، وبعضها بُني من عوارض أصغر وأصغر

 الترتيب الهرمي البنائي

، الذي يشيع في مواد الطبيعة، مُمثَّل هنا في برج إيفل.
يظهر الكولاجين في أنواع مختلفة من البنى الكبيرة الحجم، وكأنها تصميمات متعددة لأحد الأبراج، لكنها كلها مبنية من نفس العناصر الأساسية الصغيرة الحجم  إن كل سلسلة جزيئية من الكولاجين ملتفة على نفسها في شكل لولب، وتلتوي ثلاثة من تلك اللوالب بعضها حول بعض لتشكل «لُيَيْفة دقيقة» ثلاثية اللوالب شبيهة بالحبل، وتتجمع هذه اللُّيَيْفات الدقيقة معًا في نسق متداخل لتكوين خيوط سميكة تسمى لُيَيْفات مطوقة. وهذا التداخل يسبب مظهر الحُزَم الداكنة تحت المجهر الإلكتروني. تشكل اللُّيَيْفاتُ المطوقةٌ الأنسجةَ الضامَّةَ بين الخلايا؛ فهي الكابلات التي تضم اللحم البشري في إحكام وتكسبه المتانة. يتكون العظم من لُيَيْفات مطوقة من الكولاجين، نُثرت فيه بلورات دقيقة من معدن الهيدروكسي أباتيت الذي أساسه فوسفات الكالسيوم. وبسبب ارتفاع المحتوى البروتيني داخل العظم، فإنه يتصف بالمرونة والمتانة، فضلًا عن صلابته.

الكولاجينfig14

الكولاجين له بنية هرمية ملتوية. ويسبب الترتيبُ التداخليُّ لهذه اللُّيَيْفاتِ الكولاجينيةِ الدقيقةِ ظهورَ الحزمِ الداكنةِ التي تُرى مجهريًّا في اللُّيَيْفات المطوقة؛ حيث يثبت عاملُ صبغ معدني نفسَه عند نهايات هذه اللُّيَيْفات الدقيقة.

ومع ذلك، فإن لُيَيْفات الكولاجين ليست شديدة القوة في حد ذاتها؛ لأن الجزيئات ليست مترابطة أو متشابكة معًا. ولكن تحتوي أنماط أخرى من الكولاجين على حزمٍ مترابطةٍ عرضيًّا من اللُّيَيْفات الدقيقة متحدةٍ في شكل نوع من الشبكة الصلبة، وهذا يُنتج الغشاء الذي يفصل الطبقات الخارجية من الجلد عن الطبقات الداخلية.

على النقيض من التشابك غير المنتظم في النسيج الضام، تحتوي قرنية العين على لُيَيْفات كولاجينية مكدسة جنبًا إلى جنب في ترتيب منتظم، وهذه اللُّيَيْفات شديدةُ الصغر لدرجة تجعلها لا تشتت الضوء؛ مما يجعل مادة القرنية شفافة تمامًا. والتصميم الأساسي — الذي يتكرر كثيرًا في الطبيعة — هو أنه عن طريق التلاعب بالتركيبة الكيميائية، والأهم، بالترتيب الهرمي لنفس الجزيئات الأساسية، يمكن استحداث أنواع مختلفة عديدة من الخصائص المادية.

وكذلك فإن الكولاجين تتشكل منه المادة المرنة المتينة للأوتار والأربطة العضلية، ومادة العاج الداعمة للأسنان. ولكن البروتينات التي في المناطق الخارجية من الجسم — أيْ في الجلد والشعر والأظفار، فضلًا عن قرون الحيوانات وحوافرها وأظلافها — تكون من نوع مختلف؛ إذ تتكون هذه الأنسجة في أغلبها من مادة الكيراتين، وهو نوع آخر مركَّب هرميًّا. وهنا أيضًا في حالة الكيراتين تلتف السلاسل الجزيئية في شكل لوالب، وهذه تتجمع أزواجًا في شكل خيوط ملتفة مزدوجة اللوالب، ويلتف كل اثنين من هذه الخيوط معًا في شكل «لفة فائقة» تسمى اللُّيَيْفة الأولية، وتتركب كابلات الكيراتين الأولية من مجموعات من ثماني لُيَيْفات أولية. تكون هذه الألياف محاطة بشبكة من بروتينات شبيهة بالكيراتين غير منتظمة تترابط تقاطعيًّا مع ذرات من الكبريت، وكأنها كابلات من الفولاذ مطمورة في الخرسانة، وهذه الروابط التقاطعية تحدد قوة المادة؛ فالشعر والأظفار تكون أكثر امتلاءً بالروابط التقاطعية من الجلد، والشعر المتموج أو المجعَّد يمكن فرده بتكسير بعض هذه الروابط التقاطعية الكبريتية لجعل الشعر أطوع وأسهل تصفيفًا.

الشعر

يعتبر الشعر من الألياف الطبيعية النافعة، ولكن معظم المواد المصنوعة من بروتينات الكولاجين والكيراتين تتشكل بدلًا من هذا في شكل ملاءات (كما في الجلد) أو كتل (كما في القرون والحوافر)، ولديها تركيبة ليفية على المستويين الجزيئي والمجهري؛ إذ إن من الأسهل للآلية الإنتاجية في الخلايا المفردة  أن تُصنِّع هذه التراكيب من أن تصبَّ لَبِنات صلبة على سبيل المثال. ويعيد الجسم توظيف هذه الألياف الدقيقة في أشكال أخرى.

اضغط على الرابط لقرائة باقي المقال
⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩

إرسال رد أو تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها