نحن والأخطار الطبيعية

2017-08-03

نحن والأخطار الطبيعية

إذا لم تكن على علم سابق بحجم الخطر اليومي الذي تفرضه الطبيعة علينا، فإنني آمل أن يكون لديك الآن التقدير الكافي للإمكانات التدميرية للكوارث الطبيعية التي كُتب على الكثيرين من سكان كوكبنا أن يواجهوها على أساس شبه يومي. تقدِّر شركة إعادة التأمين ميونيخ ري — التي تولي هذه الظواهر اهتمامًا بالغًا لأسبابٍ لا تخفى على أحد — أن نحو ١٥ مليون شخص لقُوا حتفهم في الألفية الماضية بسبب الكوارث الطبيعية، وأكثر من ٣٫٥ ملايين شخصفي القرن الأخير وحده. وفي نهاية الألفية الثانية بعد الميلاد بلغت كلفة تلك الكوارث على الاقتصاد العالمي مستويات غير مسبوقة، وفي عام ١٩٩٩ تسببت العواصف والفيضانات في أوروبا والهند وجنوب شرق آسيا، إلى جانب الزلازل العنيفة في تركيا وتايوان، والانهيارات الأرضية المدمرة في فنزويلا، في مصرع ٧٥ ألف ، شخص، ووقوع خسائر اقتصادية قيمتها ١٠٠ مليار دولار أمريكي. وفي عام ٢٠٠٤ جاءت الإحصاءات أكثر إحباطًا؛ نظرًا لوقوع كارثة تسونامي في المحيط الهندي، إلى جانب الزلازل التي شهدتها المغرب واليابان، والعواصف التي لم يسبق لها مثيل في الولايات المتحدة الأمريكية واليابان، والفيضانات التي اجتاحت آسيا؛ إذ أسفرت كل هذه الكوارث عن وفاة ثُلث مليون شخص، ووقوع خسائر اقتصادية بلغت ١٤٥ مليار دولار أمريكي. وقد شهدت العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين كلٌّ على حدة معاناة نحو مليار شخص بسبب الكوارث الطبيعية. وللأسف فإنه ما من دليل على تضاؤل تبعات تلك الكوارث على المجتمعات البشرية نتيجة التطورات التي شهدتها آليات التنبؤ، وتظل نتيجة الصراع مع الجانب المظلم من الطبيعة بمنأًى عن الحَسم. ومع أنناصرنا نعرف الكثير الآن عن الأخطار الطبيعية، وعن الآليات التي تقف وراءها، وتبعاتها الوخيمة في بعض الأحيان، فإن أي فائدة من هذه المعرفة تتلاشى جزئيٍّا على الأقل بسبب ازدياد تعرُّض قطاعات كبيرة من سكان الأرض لتلك الأخطار. ويتمثل السبب الرئيسي وراء . ذلك في الزيادة الهائلة في تعداد سكان العالم الذي تضاعف بين عامَي ١٩٦٠ و ٢٠٠٠ ومعظم هذه الزيادة كان من نصيب البلدان النامية الفقيرة؛ حيث الكثير منها أكثر عرضة لمجموعة كاملة من الأخطار الطبيعية. وعلاوةً على ذلك، فقد أسفر الصراع على المجال الحيوي عن تزايد استغلال الأراضي الحدية، مثل سفوح الجبال، والسهول الفيضية، والمناطق الساحلية في الزراعة والسكن. ولا شك أن هذه المناطق يتهددها خطر كبير، وأنها

أكثر عرضة على التتالي للانهيارات الأرضية، والفيضانات، والمدود العاصفية، وموجات تسونامي. وهناك عامل رئيسي آخر وراء زيادة التعرُّض لتلك الأخطار في السنوات الأخيرة، ألا وهو التحول نحو التحضر والتمدن في أكثر المناطق عرضة للخطر في العالم النامي. في عام ٢٠٠٧ ، وللمرة الأولى على الإطلاق، سيزداد عدد من يعيشون في بيئات حضرية عن هؤلاء الذين يعيشون في المناطق الريفية؛ حيث يتكدس الكثيرون في مدن كبرى أسُِيءَ اختيار مواقعها وشُيِّدت على أسس واهنة في ظل زيادة عدد السكان عن ٨ ملايين نسمة. قبل أربعين عامًا كانت نيويورك ولندن تتصدران قائمة المدن الأعلى كثافة سكانية؛ حيث بلغ تعداد السكان فيهما ١٢ مليونًا و ٨٫٧ ملايين نسمة بالترتيب. ومع ذلك فمن المتوقَّع أنه في عام ٢٠١٥ ستحتل مدن مثل مومباي (بومباي سابقًا، الهند)، ودكا (بنجلاديش)، وجاكارتا (إندونيسيا)، ومكسيكو سيتي المراكزَ العشرة الأولى (الجدول 1-1 ) حيث التجمعات البشرية الهائلة التي يقترب تعدادها من ٢٠ مليون نسمة أو أكثر، والتي هي الأكثر عرضة لويلات العواصف والفيضانات والزلازل. يقع ٩٦ ٪ من بين إجمالي الوفيات الناجمة عن الكوارث الطبيعية والتدهور البيئي في البلدان النامية، ولا يوجد حاليٍّا أي احتمال لانخفاضهذه النسبة، بل الواقع يشهد أن الوضع قد يزداد سوءًا؛ ففي ظل تكدُّس أعداد السكان في الأماكن المتداعية والمعرضة لأخطار كبيرة (معظمها في مواقع ساحلية معرضة لأخطار الزلازل، وموجات تسونامي، والعواصف، والفيضانات الساحلية)، لن يمر وقت طويل قبل أن نشهد أول سلسلة من الكوارث الكبرى وسقوط ضحايا يتجاوز عددهم مليون نسمة. لا شك أن الصورة التي رسمتُها هنا صورة قاتمة، لكن الواقع قد يكون أسوأ من ذلك؛ فالزيادة المستقبلية في تعداد السكان وزيادة التعرُّض للأخطار سوف تحدث على خلفية تغيُّر هائل في المناخ لم يشهده كوكبنا ربما منذ ١٠ آلاف سنة. ما زلنا نجهل تحديدًا التبعات الخطيرة لظاهرة الاحترار السريع والمتوقَّع على مدى المائة عام القادمة، لكن أحدث تقرير صادر عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ ( ٢٠٠١ ) تنبأ بحدوث ارتفاعات في مستوى سطح البحر قد تتجاوز ٨٠ سنتيمترًا. وهذا بالتأكيد سيؤدي إلى زيادة وقوع المدود العاصفية، وأمواج تسونامي، وزيادة مستوى تآكل السواحل في مناطق بعينها، وأيضًا زيادة تبعات تلك الكوارث. ومن بين تبعات ارتفاع درجة الحرارة التي قد تزيد عن ٦ درجات مئوية بحلول نهاية القرن وقوعُ أحداث غير مألوفة في حالة

الجو، مثل الزوابع، والأعاصير القُمعية، والفيضانات، وأعداد أكبر من الانهيارات الأرضية في المناطق الجبلية، وأخيرًا المزيد من الثورات البركانية (انظر الفصل التالي). هل العالم الذي نعرفه على شفا النهاية إذنْ؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكيف سيحدث ذلك؟ هل سنلهث وراء المياه بعد قرن من الآن في عالم يزداد جفافًا؟ أم سنحتشد حول عدد قليل من العِصِيالمشتعلة في محاولةٍ بائسة للابتعاد عن البرد القارسللشتاء الكوني؟

اضغط على الرابط لقرائة باقي المقال
⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩

إرسال رد أو تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها