نظرية الانحطاط العقلي

2017-03-02

نظرية الانحطاط العقلي

في منتصف القرن التاسع عشر، شهدت نظرية الانحطاط العقلي5 نجاحًا ساحقًا وممتدًا؛ لكونها تمثل أول محاولة لوضع تفسير عام للجنون. وكانت أعمال بنديكت أوجستين موريل6 (١٨٠٩–١٨٧٣) — كبير الأطباء بمشفى ماريفيل ثم مشفى سان يون — هي ما أعاد هذا المفهوم القديم إلى مجال الطب النفسي. ويقترح موريل تصنيفًا للأمراض العقلية يرتبط أكثر بالأسباب وليس بالأعراض، مشددًا على «العلاقات غير الطبيعية التي تقوم بين الذكاء وأداته المريضة؛ أي الجسد.» كان الأمر بالنسبة إليه عبارة عن تحول باثولوجي للإنسان الكامل كما خلقه الله، وتبدو الخطيئة الأولى هي السبب الأوَّلي للانحطاط العقلي. ما هي إذن أسباب «هذا الانحراف المرضي للنوع»؟ تكون هذه الأسباب تارة وراثية وتارة حتمية. تقود هذه الميول الأولية — البدنية أو المعنوية، الفردية أو العامة — عن طريق الوراثة إلى الجنون بمجرد ظهور سبب حتمي. ويضع موريل تصنيفًا للأمراض العقلية من فئتين: الأمراض العرضية ذات الطابع الإكلينيكي الحاسم، والأمراض البنيوية أو الوراثية. ويندرج تحت النوع الأول حالات الجنون بسبب التسمم: الجنون الهستيري، والصرع، وجنون الوسواس المرضي، والجنون السمبثاوي (المرتبط بهم)، والجنون مجهول السبب (الموجود بذاته دون أي أعراض أخرى). أما النوع الثاني — الأكثر عددًا وفقًا لتقسيم موريل — فيتكون من حالات الجنون الوراثي، الذي يقسمها إلى أربع مجموعات تبدأ من «المبالغة البسيطة في المزاج العصبي» وحتى الخرف التام.

في نهاية القرن العشرين، كان مانيان وتلاميذه يميزون — في تصنيفهم للأمراض العقلية — من ناحية بين الحالات المختلطة، مستخدمين في ذلك الطب النفسي وأيضًا الباثولوجي العام بسبب علاقاتهم العضوية، وبين الذهن من ناحية أخرى بدءًا من جنون المختلين. وإلى جانب البُله والمختلين عقليًّا التقليديين، ظهرت فئة جديدة من «المختلين» تتسم بالهذيان الفجائي (مفهوم «نوبة الهذيان» الجديد). أما بالنسبة إلى المرضى الذين لا تظهر عليهم علامات واضحة للانحطاط العقلي، فيجعلهم مرضهم الخفي أكثر استعدادًا للجنون المتقطع أو «للهذيان المزمن المنظم» (وهو هذيان منظم بعناية ذو نمط موحد).

الأفكار الجديدة حول العبقرية والجريمة

كان لهذه النظريات أبلغ الأثر على الأفكار الجديدة حول العبقرية والجريمة وعلاقتهما بالجنون. رأينا أنه في القرن الخامس قبل الميلاد ميز أفلاطون وإمبيدوكليس بين نوعين من الجنون، أحدهما سيئ والآخر جيد مليء بالإلهام الإلهي. ولكن بالنسبة إلى مانيان ومن تبعوه، فإن العبقرية ليست سوى «نوع من الخلل الأسمى». ونجد هذا المفهوم في الأسطورة التي تأصلت بقوة في ذلك العصر واستمرت حتى قبيل الحرب العالمية الثانية، وتقول بوجود «زهري وراثي»7 يتسبب في تكوين أجنة مريضة (عاجزة عن التفكير)، وفي أحيان أخرى عباقرة. في نهاية القرن السادس عشر، اعتبر كتاب إسبان أن الزهري عدو الجسد، ولكنه في ذات الوقت صديق الروح. حتى إن ليون دوديه — الذي لا يعتقد في الطب ولا الأطباء، ويصف القرن التاسع عشر بالحماقة — أظهر حماسه للفكرة: «إن الميكروب المسبب للمرض الرهيب — الطفيلي — هو إذن المحرك للعبقرية والموهبة والبطولة والتعقل، مثلما يسبب في الناحية الأخرى الشلل العام والهزال وباقي أنواع الانحطاط العقلي تقريبًا. ولقد لعب هذا المرض الوراثي؛ الذي يكون أحيانًا مدعاة للنشاط والاستثارة، وأحيانًا أخرى سببًا للخمول والشلل، آكلًا ومستهلكًا خلايا النخاع والمخ، مسببًا الاحتقانات والهوس والنزيف والاكتشافات العظيمة وأيضًا التصلب؛ دورًا يشبه روح الموت في العصور القديمة، ولا سيما بسبب كثرة أنواع المرض، ولا يزال يلعبه وسيلعبه دائمًا. إنه تلك الشخصية الخفية الحاضرة التي تحرك الرومانتيكيين والمختلين ومضطربي الفكر ذوي الطابع الأسمى والثوريين وذوي السلوك الشجاع أو العنيف.»8 في الحقيقة، مع أفكار دوديه، يجب أيضًا أخذ عامل الاستفزاز في الاعتبار. ويعد زولا أهم «معتنقي» هذه النظرية، فنراه يعود إليها باستمرار خلال مجموعة روايته «عائلة الروجون ماكار» (الطبيب باسكال، ١٨٩٣). أما سيزار لمبروزو (١٨٣٦–١٩٠٩) — المسئول عن تدريس الباثولوجيا العقلية ببافي، والذي وضع إطارًا منظمًا لنظريات مانيان — فكتب: «إن عمالقة الفكر يدفعون بالأمراض العقلية والذهان ثمن قدراتهم الفكرية العظيمة.»9 ولقد اشتهر لمبروزو بسبب أعماله حول الإجرام وعلاقته بالانحطاط العقلي وحول مفهوم «الشخص المولود مجرمًا».10

أصبحت نظرية الانحطاط العقلي معتقدًا ثابتًا في فرنسا لمدة نصف قرن واستمرت في صورها المختلفة حتى قبل القرن العشرين. في ألمانيا، استُقبلت هذه النظرية بحماس (على يد جريزينجر وكرافت إبينج)، ولكن سرعان ما لاقت مقاومة شديدة منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر (على يد كرابلين) بسبب شكليتها. ولم يمكنها إلا أن تشكل مصدرًا أكثر إلهامًا لعلم تحسين النسل في الولايات المتحدة، بقوانينه التي تحظر زواج مرضى الصرع ومدمني الخمور ومرضى الزهري. ولم تكن فرنسا بعيدة عن هذا الاتفاق الذي يهدف لحماية وتحسين «السلالة».

اضغط على الرابط لقرائة باقي المقال
⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩

إرسال رد أو تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها