نهاية طفرة ما بعد الحرب

2017-05-30

نهاية طفرة ما بعد الحرب

رغم أن معظم من عاصروا حادث اغتيال الرئيس الأمريكي جون كينيدي في عام ١٩٦٣ يذكرون أين كانوا عندما اغتيل كينيدي، فإن القليل منهم سيذكرون ما كانوا يفعلونه عام ١٩٧٣ بالقدر عينه من الوضوح؛ إذ لا تبرز تلك السنة كبداية لسلسلة من الارتفاعات والانخفاضات تفوق تلك التي يراها المرء لدى ركوبه قطار الملاهي إلا من خلال الرؤية المتأمِّلة للماضي. فقد انخفضت قيمة الدولار، وازداد سعر النفط أربعة أضعاف، وبلغت عضوية الاتحادات العمالية في الولايات المتحدة أعلى معدلاتها، وبدأت معدلات المواليد الأوروبية تراجُعَها طويل الأمد. كانت نسبة البطالة في السبعينيات قد بلغت معدلات مرتفعة لم يشهدها العالم منذ سنوات الكساد الكبير. حتى الزيادة في أنشطة التجارة الخارجية — التي كثيرًا ما توصف بأنها كانت طفرة في التصدير — شهدت تراجعًا مفاجئًا عام ١٩٧٣ بعد أن كانت قد حققت ازدهارًا مطردًا في أوروبا الغربية والولايات المتحدة من قبل. وفي المتوسط، انخفض معدل النمو في العالم الرأسمالي إلى النصف خلال الأربع عشرة سنة التالية لسنة ١٩٧٣. 44
كان الإنفاق العسكري الأمريكي في حرب فيتنام قد أدى إلى ازدياد عدد الدولارات المتداولة ازديادًا كبيرًا؛ فبدلًا من أن يرفع الرئيس ليندون جونسون حصيلة الضرائب المفروضة، فضَّل أن يستعين بالنقود التي يطبعها بنك الاحتياطي الفدرالي. وأسفرت هذه الخطوة عن تفاقم الضعف المستمر الذي كان يعتري العملة الرئيسية في العالم؛ فقد صعبت الوفرة المفرطة من الدولارات على وزارة الخزانة الأمريكية الاستمرار في تحويل الدولار إلى الذهب، بحسب ما كانت قد تعهدت به في اتفاقية بريتون وودز. وفي عام ١٩٧١، قام الرئيس ريتشارد نيكسون — الذي خلف الرئيس جونسون — بالفصل بين الدولار ومعيار الذهب. وهكذا باتت جميع العملات حرة ويمكن تعويمها. وفي الواقع، أسفر التضخُّم الذي انتشر في جميع أنحاء العالم عن تقلب قيمة العملات بشدة على مدار عامين.45

إنتاج النفط الأمريكي

كان إنتاج النفط الأمريكي يتناقص بسرعة أكبر؛ فقد كانت الولايات المتحدة قد وفَّرت ما يقرب من ٩٠٪ من النفط الذي استخدمه الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية. في ذلك الوقت، كانت دول الشرق الأوسط — بما فيها كل دول شبه الجزيرة العربية — تنتج أقل من ٥٪ من الإنتاج العالمي للنفط. لكن الإقبال الشَّرِهَ على المنتجات البترولية خلال فترة الازدهار في سنوات الخمسينيات والستينيات غيَّر كل ذلك، وأصبحت منطقة الخليج العربي مركز إنتاج النفط في العالم. كانت حقول النفط في تكساس وأوكلاهوما وكاليفورنيا تضخ النفط على مدار الساعة، لكن ذلك لم يكن كافيًا؛ إذ إن الولايات المتحدة كانت قد فقدت كل طاقتها الإنتاجية الفائضة في الوقت الذي كان فيه استهلاك العالم من النفط ينمو بمعدل ٧٫٥٪ سنويًّا. وكان الإنتاج الأمريكي قد بلغ أقصى ارتفاع له عام ١٩٥٥، ثم بعد ذلك بدأت الولايات المتحدة تتحول على نحو متزايد لاستيراد احتياجاتها من النفط من المكسيك وكندا وفنزويلا. في عام ١٩٥٥، كان ثلثا النفط الذي يذهب إلى أوروبا يمر عبر قناة السويس، التي استعادت أهميتها الاستراتيجية التي فقدتها حينما غادرت بريطانيا الهند قبل عقد من الزمان. وبحلول عام ١٩٧٣، صارت الأيام التي كان النفط فيها وفيرًا ورخيصًا شيئًا من الماضي. كانت احتياطيات النفط في دول الشرق الأوسط هائلة، وكانت قدرة الإنتاج الفعلي للدول العربية تلبي نسبة ٩٩٪ من الطلب العالمي، ولم تترك سوى هامش طلب نسبته ١٪! وبدأ صُنَّاع السياسة يتحدثون عن أزمة النفط.
وبينما كانت صحوة المناخ الاقتصادي تفقد بعض إشراقها، كانت عاصفة هوجاء على وشك الهبوب؛ فقد أدى العداء بين الدول العربية وإسرائيل إلى صدمة البترول التي جعلت من عام ١٩٧٣ عامًا مشهودًا بالنسبة للبلدان الرأسمالية. بدأ الأمر في ظهيرة أحد أيام شهر أكتوبر عندما أقلعت ٢٥٠ طائرة مصرية نحو الضفة الشرقية لقناة السويس لتقصف مواقع إسرائيلية في شبه جزيرة سيناء. كان ذلك اليوم هو أكثر أيام التقويم اليهودي قدسية. ربما كانت حرب يوم الغفران لتظل صراعًا إقليميًّا لو لم تقرر البلدان الإسلامية الأخرى استخدام «سلاح النفط» في هذه الحرب؛ فقد رفعت السعر بنسبة ٧٠٪ من النفط وخفضت الإنتاج بنسبة ٥٪ لعدة أشهر على التوالي. فارتفع سعر الوقود في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية اثني عشر ضعفًا. وخلال العقدين التاليين، انخفض الناتج القومي الإجمالي للبلدان الرأسمالية المتقدمة من متوسط قدره ٤٫٦ إلى ٢٫٦٪. وصار التضخم مصحوبًا برفيق جديد تمثل في معدلات البطالة.46
كانت هذه القرارات التي اتخذتها الدول العربية الأعضاء في منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) بمثابة إعلان عن السيادة؛ فمن قبلُ كانت هذه الدول تتلقى الأوامر إلى حد كبير من الشركات الغربية المنتجة للنفط مثل شركتي إكسون وشل.47 شاعت حالة من الذعر والصدمة وعدم التصديق عبر أنحاء العالم، لكنها كانت أكثر كثافة في البلدان المزدهرة التي تعتمد اعتمادًا كبيرًا على المنتجات النفطية. وأضافت سرعة الحرب وفجائيتها والحظر النفطي الذي ترتب عليها مزيدًا من الاضطرابات إلى جانب ارتفاع الأسعار. كما تسبب أيضًا في حدوث موجات من العجز المحلي جراء الحرب. وتصدع بالكامل أسلوب الحياة وطريقة التفكير في المستقبل، إن لم يكونَا قد تحطَّمَا بالفعل. لكن هذا الضرر حمل قدرًا من الخير للمزارعين والحرفيين المحليين الذين استعادوا زبائنهم القدامى الذين كانوا قد خسروهم من قبلُ للمدن الكبيرة. وأدى الارتفاع الهائل في أسعار البنزين إلى ارتفاع كبير في مكون النقل الذي يندرج ضمن مكوِّنات تكاليف أي سلعة؛ فعلى سبيل المثال، تمكن مزارعو الزهور في وادي كونيتيكت الأعلى من العودة إلى التجارة التي كانت قد تحوَّلت عنهم إلى «ولاية الزهور» نيو جيرسي، فيما يعد تحقيقًا للقول المأثور القديم: «مصائب قوم عند قوم فوائد.»
تقول الأسطورة الإغريقية إن كاساندرا أميرةٌ طروادية وهبها الإله أبوللو قوة النبوءة ثم حكم عليها بعد ذلك بألا يصدق أحد نبوءاتها مطلقًا. وقد أصبح جيمس أكينز، أحد المسئولين في الشئون الخارجية الأمريكية، مثالًا مشابهًا لكاساندرا، لكن في العصر الحديث. كان أكينز يتولى مهمة إجراء دراسة سرية عن النفط لوزارة الخارجية في عهد الرئيس نيكسون، وقد بين بقدر كبير من التفصيل العواقب المترتبة على التوسع السريع في استخدام النفط في ضوء تراجع السيطرة الأمريكية على إنتاجه. تبدو توصياته مألوفة لأنها نُشِرَتْ مرات كثيرة منذ ذلك الوقت، وهي: تطوير أنواع الوقود الاصطناعية، وبذل جهود أكبر للصيانة، وفرض ضريبة مرتفعة على الوقود، والبحث عن طرق بديلة لتشغيل آلات الصناعة.48 لكن مقترحات أكينز قوبلت بالرفض السريع لكونها مبالغًا فيها، وربما تكون كاذبة، وبالتأكيد تتعارض مع التقاليد الأمريكية.

لكن إرنست شوماخر — اقتصادي ألماني يعمل في لندن — حقق نتائج أفضل قليلًا عن طريق كتابه «كل صغير جميل»، وهو كتاب ممتع ظهر عام ١٩٧٣. قدم شوماخر أزمة النفط كتحدٍّ للغرب كي يصحح أساليبه الباذخة. وكان انتقاده الشديد للاستهلاك مصحوبًا بشعره وظرفه وحكمته البوذية. كان العميد البحري هايمان ريكوفر — مطور الغواصات النووية — قد أطلق هذا التحذير في وقت سابق لهذا عام ١٩٥٧. لكن البصيرة العلمية لشوماخر وريكوفر تبيِّن ثانية كيف يمكن أن تشحذ المصلحة الشخصية ذكاء الفرد؛ فقد كان شوماخر يعمل لدى مجلس الفحم البريطاني، وكان ريكوفر أحد المدافعين البارزين عن الطاقة النووية.

يرى الكثير من المراقبين أن الانتكاسات المتوالية لعام ١٩٧٣ لم تكن سوى عثرة في الطريق. وهم على حق في ذلك إلى حد ما إذا أغفلنا التحول في المفاهيم والمواقف. كان الفنانون والمفكرون هم أول من سئم سنوات الازدهار العجيبة، وبدءوا يتنافسون فيما بينهم على تحديد ما إذا كنا قد دخلنا العصر بعد الصناعي، أو بعد الرأسمالي، أو بعد الحديث. أيما كان هذا العصر، فهو بالتأكيد «بعد» عصرٍ ما. وفي الحقيقة، كان الكثيرون قد أصبحوا متخمين بالتعاقب اللانهائي لوسائل الراحة والاستجمام والإلهاء الجديدة. وصدرت عدة كتب في الولايات المتحدة في مطلع الستينيات كانت تثير قضايا مهمة صارت أكثر إلحاحًا بعد أزمة عام ١٩٧٣.

في عام ١٩٦٢، أثارت الكاتبة راشيل كارسون اهتمام البلاد بكتابها «الربيع الصامت» بما يحويه من وصف لتسميم البيئة بالمبيدات الحشرية ومبيدات الأعشاب. وقد فجَّرت كارسون — عالمة الحيوان التي تعمل لدى دائرة الولايات المتحدة لمصايد الأسماك — عاصفة نارية بكتابها «الربيع الصامت». في ذلك الوقت، كان مئات من الخبراء الآخرين يدرسون مدى التأثيرات المدمرة التي أحدثها القرن العشرون في الكوكب الذي نعيش فيه. وشن دعاة حماية البيئة إحدى أكثر الحركات السياسية نجاحًا في التاريخ؛ ففي عام ١٩٦٢، صدر للكاتب مايكل هارينجتون كتاب «أمريكا الأخرى: الفقر في الولايات المتحدة» الذي نبَّه من خلاله الناس إلى أن الرخاء لم يكن من نصيب الجميع في الولايات المتحدة. وبعد ثلاث سنوات، شن كتاب رالف نادر «سيارة غير آمنة على الإطلاق» حملة على شركات صناعة السيارات في أمريكا، وكان عنوان الكتاب الفرعي يقدم رسالة مفادها: المخاطر الكامنة في تصميم السيارات الأمريكية. تصاعدت احتمالات صدق نبوءات هؤلاء الكتاب إثر الضربات المتعددة التي واجهها العالم جراء أزمة النفط، وارتفاع معدلات البطالة، وتفاقم معدل التضخم.

تدهور البيئة

ثم تناول جيل أصغر سنًّا القضايا المتعلقة بتدهور البيئة، وسلامة المنتجات، واستمرار محنة الفقراء، وجعلوها قضاياهم الخاصة. واعتمادًا على التقليد التنويري المتمثل في الإيمان بالعقل مع الالتزام بالتقدم الاجتماعي، انطلقت الحركة الداعية لحماية البيئة في السبعينيات. علاوة على جهودها التي كرست لإعادة التوازن بين البشر والطبيعة، ساعدت أيضًا في تخفيف حدة التوتر الذي ظهر في المجتمعات الغربية جراء المواجهات الغاضبة التي اندلعت في الستينيات، والتي تعلقت بالنزاع بشأن الحقوق المدنية، ووضع المرأة، والأعراف الجنسية، والحرب في فيتنام. لقد انشغل الغربيون على مدى عقود من الزمان بتلويث هوائهم، وتربتهم، ومياههم، وبيئتهم التي يعيشون فيها، وعالم الحيوان دون أن يعيروا ذلك الكثير من الاهتمام.
في الوقت نفسه، كان خبراء آخرون يتوقعون حدوث انتشار كاسح للصناعة؛ ففي عام ١٩٥٣، نشر والت روستو — الذي شغل منصب المساعد الخاص لشئون الأمن القومي خلال فترة حكم الرئيس جونسون — الكتاب الذي أشاع فكرة التحديث الكاسح «مراحل النمو الاقتصادي: البيان غير الشيوعي». خرج القراء العاديون من هذا الكتاب بفكرة أنه من السهل لبضعة برامج غربية أن تغيِّرَ شكل العالم وفقًا لمنظورها. كان الغربيون يعيشون أوج الازدهار بفضل نجاح مشروع مارشال في دول أوروبا الغربية؛ ومن ثَمَّ كانت لديهم كل الأسباب والعديد من الحوافز التي تدفعهم للاعتقاد بصحة هذا الرأي. صحيح أن المجتمعات التقليدية تتسم بمقاومة فطرية للتغييرات العميقة — مثلما كانت الحال في أوروبا قبل القرن السابع عشر — لكن القوى الخارجية بمقدورها أن تفرض رؤيتها على هذه المجتمعات من خلال إدخال التكنولوجيا، وفوق كل شيء، رأس المال. ومن الإسهامات بالغة الأهمية لهذه النظرية فكرة أن كون بلدان معينة متخلفة وفقيرة، وتهيمن عليها ثقافات رجعية لم يكن قدرًا محتومًا؛ فبمقدور جميع البلدان أن تتطلع إلى الحصول على «سحر التحديث». وفي الوقت الحالي، بعد أن ظللنا منغمسين لوقت طويل في آمال التحديث وإخفاقاته، يمكن أن يفوتنا بسهولة أن ندرك كم كانت هذه الفكرة رائدة ومبتكرة بحق.49
قد يفترض القراء بعد قراءتهم نظرية روستو أن نوعية العمالة عنصر يمكن إغفاله في مجال التصنيع، بعد أن تبين أنه لا يشكل القضية الأساسية.50 فقد كان من الأسهل بكثير تقديم رأس المال للبلدان المتخلفة عن تقديم مهارات الإنتاج وطاقة المبادرة بالعمل الحر. لكنَّ تحالف أمريكا مع دول في أمريكا اللاتينية من أجل التقدم كان فاشلًا، وكذلك كانت الجهود الأخرى المبذولة لتحويل العالم الثالث إلى عالم أول، وخير مثال على ذلك برنامج النقطة الرابعة الأمريكي في الهند. من الواضح أن تحويل مسار المجتمعات التقليدية كان يتطلب ما هو أكثر من إصرار الغرب وقروض البنك الدولي. علاوة على أن تصنيف المجتمعات إلى تقليدية وحديثة بدأ يتبين أنه ناقص جدًّا ومبتور جدًّا بدرجة لا تجعله يتعامل بإنصاف مع المجموعة المتباينة من الأوضاع الاجتماعية التي يعيش في ظلها الناس في العالم ويستقون أفكارهم.51 وكما اتضح فيما بعد، لم يكن الغرب صبورًا، وكان عليه الانتظار لفترة أطول كي يرى البراعم التي ستزهر من بذور استثماراته.

ربما كانت أكثر سمات الرأسمالية لَفتًا للنظر هي علاقتها التي لا تنفصم مع التغيير؛ تلك الزعزعة المتواصلة للأنماط الثقافية والمادية التي كانت مستقرة من قبل. وما فعلته الرأسمالية بالإضافة إلى تشجيع التغيير أنها قدمت أيضًا دليلًا على أن التطلعات البشرية المشتركة للتحسين من الممكن بلوغها؛ فقد فتحت أمام نسبة كبيرة من الرجال والنساء في الغرب إمكانية تنظيم طاقتهم واهتماماتهم ومواهبهم من أجل إنجاز مشاريع في السوق، مثل إقامة صلة تجارية جديدة أو تلبية حاجة قديمة بمنتج تجاري. ويمكن للمرء أن يفعل ذلك وحده. ولم يكُن على المرء أن يكون طويل القامة، وحسن المظهر، وشابًّا، وغنيًّا، وله علاقات جيدة، أو حتى ذكيًّا جدًّا كي ينفذ خطة، ولو أن كل تلك الصفات كانت مفيدة بلا شك. وقد احتفظت الرأسمالية بالتأييد الشعبي من خلال هيمنتها على هذا المجال الإبداعي. لكن رواد الأعمال الجدد كانوا يواجهون صعوبة في جذب رأس المال الاستثماري، ومن ثَمَّ كانت حالات الفشل أكثر من حالات النجاح. وحتى عندما كانت مشاريع فردية تحقق نجاحًا، لم يتنبأ سوى القليلين بالعواقب غير المقصودة التي ستترتب على هذا العبث بالطبيعة وبالمجتمع. كان الاضطراب مكونًا حتميًّا في هذا النظام، لكن الرأسمالية صارت قادرة على أن تواصل البقاء قبل أن يتمكن أي شخص من أن يلاحظ ذلك بوضوح.

استغرق الأمر بعض الوقت كي يدرك الناس أن صدمات عام ١٩٧٣ كانت علامة على انتهاء «العصر الذهبي» لازدهار الرأسمالية في مواطنها. كان ارتفاع الأسعار عادة ما يصاحب فترات النمو، لكن هذه المرة، صاحَب ارتفاع الأسعار ركود في الإنتاج. وهذا قدم للمجال الاقتصادي حالة جديدة ومصطلحًا جديدًا هو «الركود التضخمي» الذي أدى بدوره إلى تشجيع الاهتمام بالنظرية النقدية. وفي اتجاه مزعج آخر، بدأت الفجوة بين الدخول المنخفضة والدخول المرتفعة اتساعها طويل الأمد عام ١٩٦٩، على الرغم من أن القلق حيال هذه الظاهرة نادرًا ما تجاوز الكلمات الرنانة في الخطب. ومع تزايد الدراسات التي توثِّق إهمال البيئة وسلامة العمال والمستهلكين في أكثر المجتمعات تقدمًا، بات بإمكاننا القول: إن أعظم فصل في تاريخ الرأسمالية انتهى دون ضجة كبيرة.

في هذه الأثناء، في مختبرات شركة إنتل في مدينة بالو ألتو بولاية كاليفورنيا، وشركة سوني في شيناجاوا بالعاصمة طوكيو، كان المهندسون يضعون خططًا تفصيلية لاستخدامات شيء يُسَمَّى الترانزستور. والترانزستور هو اللفظ المختصر لكلمتي «مقاوم النقل» بالإنجليزية، وهو جهاز يضخم تدفق الكهرباء أو يحوِّله. كان هذا الجهاز موجودًا منذ عقدين أو أكثر، لكن جرى تحسينه في ذلك الوقت. كان الترانزستور موصولًا بلوحة دوائر إلكترونية، ومن ثَمَّ كان يستطيع أن يفعل أشياء عجيبة بفضل صغر حجمه، وقدرته على التكيُّف مع مختلِف الأجهزة. وهكذا وجد البارعون طريقة جديدة لاستغلال الطاقة الكهرومغناطيسية لكوكبنا. وتسبب هذا المولود التكنولوجي الجديد في «التدمير الخلَّاق» لتقنية الصمام المفرَّغ الذي كان له فضل بدء عصر التكنولوجيا اللاسلكية. واستمرت الثورة العارمة دون أن يصاحبها اسم مبتكَر للعصر الذي كان يوشك على البزوغ، ولو أن الولايات المتحدة حصلت على اسم جديد، هو وادي السليكون، حيث كانت الشركات الناشئة والإصدارات الأولى للأسهم تخلق طبقة جديدة من أصحاب الملايين.

اضغط على الرابط لقرائة باقي المقال
⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩⇩

إرسال رد أو تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها