هل السحر تجربة عالمية ؟

2017-06-18

هل السحر تجربة عالمية ؟

إذنْ، نحن جميعًا فكَّرنا تفكيرًا سحريًّا في مرحلةٍ ما. وتتأثر طريقة تعاملنا مع الأمر في الكبر بعوامل الماضي والمجتمع والثقافة والتعليم والتجارب الشخصية. في أغلب المجتمعات، تشكل التعاليم الدينية الراسخة إطارًا ثقافيًّا مقبولًا لعقلنة استمرار التفكير السحري، وقد أطلق البعض على ذلك وصف «الاعتقاد السحري المؤسسي». يمكن النظر للصور الميكانيكية للعبادة — كالصلاة والشعائر الأخرى — إما على أنها سحرية أو دينية بحسب من يؤديها والسياق الذي يؤديها فيه، ويمكن الرجوع في ذلك إلى مناقشة الدين الشعبي في مقدمة الكتاب؛ فالاعتقاد بأن إلهًا أو آلهة يمكنها التأثير في الشئون الدنيوية أو تحديد وجودنا بعد الموت يُعد بالأساس تفكيرًا سحريًّا كما هو مفهوم في علم النفس التطوري.

كتب إميل دوركايم ذات مرة يقول: «ثَمَّةَ شيءٌ ما خالد في الدين مقدَّر له البقاء أكثر من كل الرموز المحددة التي أحاط بها التفكير الديني نفسه تباعًا.» يمكن حذف كلمة «الدين» من هذه العبارة ووضع كلمة «السحر» مكانها وستظل العبارة صحيحة. وقد أدت محاولة تحديد ماهية ذلك «الشيء» إلى اقتراح مزيد من الباحثين المعاصرين أن السحر والدين — كتجربة — في الماضي والحاضر، يقومان على عمليات معرفية كلية. وكلمة معرفية تشير إلى الطريقة التي تُحصَّل بها المعرفة، وطريقة تنظيمها في العقل، وطريقة توظيفها، سواءٌ عن وعي أو لاوعي. ويتمثل أحد أمثلة كيفية تطبيق ذلك في الاقتراح بأن النزعة السحرية تنبثق من تطوير البشر المبكر لاستخدام الأدوات؛ ووفقًا لهذه الفكرة، لم تنشأ وظائف المخ المستخدمة في اللغة من أجل التواصل، بل من أجل استخدام الأشياء، فإذا كانت الكلمات قد نشأت بسبب «استخدام الأشياء»، فإن ذلك سيساعد في تفسير حاجة الإنسان لتوظيف الكلمات في تنفيذ أشياء.

إن الدراسات التي تناولت السحر المعديَ والمعرفة أقل اعتمادًا على الافتراضات؛ إذ يمارس البالغون في العصر الحديث مجموعة من الأنشطة الدنيوية التي تعكس مفاهيم العدوى. ضع علبة مشروب بالقرب من قدرٍ من الغائط، وسيرفض أغلب الأفراد تناولها إذا عرضتها عليهم حتى وإن كانت مغلقة وعُقمت لاحقًا. وأغلب الأشخاص يشعرون بالاشمئزاز من فكرة ارتداء ملابس مستعملة. ربما تكون هذه الاستجابات المعرفية السلبية قد نشأت لأنها — بالرغم من عدم عقلانيتها — تؤدي وظيفة منشودة هي تفادي المصادر الحقيقية للعدوى. كما أننا نُظهر نزعات عدوى «إيجابية» مثل السعي للحصول على تذكار من المشاهير؛ حيث نشعر برباط عاطفي دائم بنجم شهير عن طريق امتلاك شيء ملموس. انظر مثلًا إلى رغبة الجماهير في لمس أجسام كبار مطربي البوب. وفي الثقافات الأخرى، لا يزال إدراك فكرة العدوى يجري التعبير عنه بأساليب دينية ودنيوية.

السلوك والتفكير السحريين

وإذا سلمنا أن السلوك والتفكير السحريين سمات معرفية عالمية، فإنهما — على الأرجح — سيساعداننا في تفسير جوانب من السحر في السياقات التاريخية؛ لأننا نمر اليوم بنفس التجارب العقلية والبدنية. وقد أُجريت محاولات قليلة للبحث في هذا الأمر؛ فاعتمادًا على الكتابات المسيحية الأورثوذكسية الأولى والأسفار وأوراق البردي السحرية الإغريقية كمصادر، ظهرت نظرية معرفية للسحر تستند إلى ثلاثة عوامل متداخلة؛ أولًا: توظيف القصص عن السحر والمعجزات التي تقدم العبر والتفسيرات والإلهام. ثانيًا: المعتقدات التي تؤكد على معقولية السحر. ثالثًا: السلوكيات المشروطة كالأفعال المتكررة والمناورات غير الواعية والنزعات المذكورة أعلاه. وقد تبنَّى كتاب حديث منهجًا أكثر انتقائية يسعى — كما يوضح عنوانه — إلى فهم «حقائق العرافة والسحر الشعبي في بدايات العصر الحديث في أوروبا». يعتمد مؤلف الكتاب على علم النفس والعلوم العصبية لاستكشاف دور الأحلام والانتشاء والثمالة وغيرها من أشكال الإدراك المتغير، في خلق تجارب «حقيقية» تؤكد المعتقدات الخاصة بآثار الممارسات السحرية. وتتضح هنا أهمية الوعي بعلم الإدراك في فهم معنى السحر تاريخيًّا، لكننا بالطبع لا نزال نواجه مشكلة ابتعادنا عن الماضي والبرهان الانتقائي الذي وصل إلينا. فمثلًا، كم عدد الأشخاص الذين تعرضوا لما يمكن أن نسميَه تجربة سحرية بالمعنى الإدراكي الحديث لكنهم لم يفسروها تفسيرًا سحريًّا؟ يبحث مؤرخو السحر والعرافة في المصادر التي تقدم لمحات من التجارب الفردية النفسية العصبية، لكنهم نادرًا ما يؤكدون التفسيرات المعرفية الكلية. لكن هذا لا يعني أنها غير موجودة.

لنعد إلى الحاضر وإلى معنى «التجربة السحرية» في العالم المعاصر. أوضحت عالمة أنثروبولوجيا بريطانية معاصرة كيف أن تجربتها السحرية الخاصة ليست بالضرورة خارقة أو غامضة، وليست بالضرورة جانبًا من جوانب أزمة الحداثة أو ما بعد الحداثة، بل إنها «علاقة «عاطفية» مع المكان من خلال مفاهيم الأسلاف والمعتقدات الشعبية والأساطير.» والطبيعة قابعة في صميم هذا المعنى للسحر. ويمكن تفسير هذا على أنه نتاج التفكير العقلاني الغربي الانعكاسي الذاتي. غير أن أفكار مشابهة حول «الوعي السحري» ظهرت فيما يتعلق بالعلاقة بين السَّحَرة وزبائنهم في مدينة باناراس الهندية: «الساحر هو الشخص — رجلًا أو امرأةً — الذي يخلق السياق الذي تدخل فيه العقول في علاقة، غالبًا ما يُنظر إليها على أنها حدثٌ «سحري». ومع أن التجربة استثنائية في الواقع، فإنها طبيعية تمامًا.» يمكن رفض هذه النتيجة أيضًا بوصفها تعبيرًا عن التفكير العقلاني الغربي، لكن مثل هذه الدراسات تساعد في هدم الحواجز الثقافية والعاطفية بين المراقب والمشارك، وتقدم مفاتيح لفهم معنى السحر عند ممارسته. في الواقع، كثيرًا ما يضيع أحد معاني السحر في عملية دراسته، لكن ينبغي ألا يكون الوضع كذلك.


إرسال رد أو تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها